“اكتشاف” الإدارة الأميركية أخيراً ما يكفي من المعطيات الكيماوية إلى حد دفعها للإعلان أنّ “المعادلة” تغيّرت بالنسبة إلى الرئيس باراك اوباما حيال الوضع السوري، يعني وسيعني سياسياً وتسليحياً وميدانياً الكثير. لكنه يؤكد، قبل كل ذلك، أنّ تداعيات معركة القصير كانت مؤلمة بالنسبة إلى المعارضة لكنها ستكون كارثية بالنسبة إلى الطرف الآخر.
واحدة من مفارقات لبنانية معروفة تسجَّل الآن في سوريا: ليس لكل “انتصار” في معركة عسكرية أثمان سياسية.. أكثر من ذلك: كثيراً ما يكون كسب تلك المعركة الصغيرة في الحرب الكبيرة باباً للخسارة التامّة بالنسبة إلى “المنتصرين”!
قِصر النظر في القصير يعود إلى سلوك طويل المدى، عرفه اللبنانيون أكثر من غيرهم وربما وحدهم في المرحلة السابقة للثورة السورية، وخصوصاً مع جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تلا ذلك من جرائم بحيث إنّ الآثار والتبعات والأهداف السياسية المطلوبة من وراء القتل أعطت مفعولاً عكسياً خالصاً. هكذا مثلاً انتهت الوصاية السورية واندثر النظام الأمني المشترك. وانكشف على آخره، المشروع “الممانِع” وأدواته باعتباره مشروع سلطة ونفوذ وإرهاب قبل أن يكون مقاومة وتحرير. ومشروع فتن وحروب أهلية قبل أن يكون مشروع توحيد “ورصّ صفوف الأمّة”.
معركة القصير، بهذا المعنى، أخذت من المعارضة رقعة جغرافية و”أعطتها” في المقابل احتمالاً مفتوحاً على تأكيد سيطرتها على ما تسيطر عليه الآن، وأوصلتها بعد أكثر من سنتين، إلى ما تطلبه تسليحياً وسياسياً وضميرياً.. وجعلت أجراس قضيتها تدقّ بصخب في “مساحة” جغرافية تمتد من واشنطن إلى القاهرة، وفي “مساحة” سياسية ووجدانية وتعبوية تمتد على امتداد وجود العرب والمسلمين.
معركة القصير أكثر من ذلك، أكدت اليقين بأضعاف ما كان عليه، بأنّ نظام الأسد انتهى وانّ ما بقي منه هو مظاهر سلطوية عسكرية وأمنية وإعلامية لم تعد قادرة على التحرّك بدفع ذاتي بل صارت في حاجة إلى ميليشيات خارجية لبنانية وعراقية معبّأة مذهبياً حتى النخاع كي تستطيع كسب أي جولة قتالية. وصارت في حاجة إلى تفعيل آلة البلطجة القلمية لتبرير جريمة عَوْن الظالم الأسدي على شعب سوريا المظلوم. وتبرير الانخراط في مذبحة لا سابق لها في التاريخ العربي والإسلامي الحديث! وتبرير الذهاب إلى فتنة تامة تحت شعارات “مقاومة” وممانعة، وخدمة لأجندة إيرانية خاصة بعيدة عن مصالح المنطقة وشعوبها بُعد الأسد عن الحق ولبنان عن الصين.
.. فتحت معركة القصير مرحلة جديدة من مظاهرها، أنّ “حزب الله” (مثلاً) اعتاد على مدى سنوات أن يسير في طريق باتجاه واحد: يُقرّر ويُنفّذ. والردود عليه، عادة ما تكون دون مستوى ما فعل وخصوصاً في الشؤون الأمنية والعسكرية (غير المتّصلة بقصّة النزال مع إسرائيل). الآن تبدو الصورة مختلفة، والطريق صار باتجاهين. ويبدو من مؤشراته انّ لكل فعل ردّا موازيا وأكثر.
“اكتشاف” واشنطن بالأمس هو أحد تلك المؤشرات.. وبالفعل الله يستر!