أرقام المعاناة والآتي أعظم

 

لا أحد يملك إحصاءً دقيقاً عن عدد اللبنانيين العاملين في الخليج، فالأرقام أصلاً في لبنان وجهة نظر، وفي الأصل ما حاجتنا إلى الإحصاءات؟
أليس من الأفضل العيش على البركة؟
فمئة ألف في الناقص أو مئة ألف في الزائد ماذا تُقدِّم أو تؤخِّر؟
وإذا استقر الرقم على أربعمئة ألف لبناني يعملون في الخليج، فهمُّ هؤلاء على مَن؟
إذا كان على الدولة فإن هؤلاء ما كانوا توجّهوا إلى الخليج لو ان دولتهم اعتنت بأمورهم واهتمت بشؤونهم. إذا كان على الأحزاب والسياسيين فإن هؤلاء يعتبرون ان المغتربين هُم الذين يجب أن يهتموا بهم، لا العكس.
***
ثم إن اللبنانيين في الخليج يحوِّلون إلى لبنان ما يتجاوز الأربعة مليارات دولار في السنة، بعضُ مَن هُم في الداخل ينظرون بعين السخرية إلى هذا المبلغ ويقولون بازدراء:
ما حاجة البلد إلى هذا المبلغ؟
أليس البلد بألف خير؟
أليست الإستثمارات فيه في وضع تُحسَد عليه؟
أليست الأربعة مليارات تخمة نقدية بالنسبة إليه؟
***
أشقاؤنا الخليجيون يستثمرون في لبنان بما يفوق العشرة مليارات دولار، هو مبلغٌ ضخم ويحسدنا عليه الكثير من البلدان حتى الصناعية منها، لكننا في لبنان نُطبِّق مقولة العايز والمستغني فباستثمار نعيش ومن دون استثمار نعيش!

***
ماذا عن السياحة؟
ولماذا السياحة؟
أليس البلد أكثر هدوءًا من دونها؟
أليس من مساوئها انها تؤدي إلى إزدحام السير؟
حتى ولو كانت السياحة الخليجية إلى لبنان تُشكِّل، أو كانت تُشكِّل، نحو أربعين في المئة من مجمل الرقم السياحي العام، فإن انحسار الرقم هذه السنة إلى الصفر لا يجعل المسؤولين عندنا يرف لهم جَفنٌ، فلبنان بلد خدمات، وهذه الصفة لا تحتاج إلى السياحة بل ربما إن السياحة تُعرقلها!
***
وبالمناسبة، ألسنا في شهر حزيران؟
أليس هذا الشهر هو شهر تخرُّج الطلاب الجامعيين حاملي الإجازات؟
عدد هؤلاء السنوي يتجاوز العشرين ألف مُجاز، القلة القليلة منهم تجد فرص عملٍ في لبنان، أما الآخرون فيتطلعون إلى دول الخليج أو أوروبا أو أميركا، لكن البداية من دول الخليج، فهل فكّر أحدٌ في هذا المُعطى؟
وإذا كانت هناك صعوبات في توفير التأشيرات لهم، قبل فرصة العمل، فمَن يتطلّع إلى معاناتهم؟
هل يُشكِّلون طبقة السياح الجدد العاطلين عن العمل في وطنهم؟
***
أرقامٌ وأرقامٌ وأرقام، واللائحة تطول والمعاناة أطول. في مقابلها بماذا يهتم المسؤولون؟
كان يُقال شرُّ البلية ما يُضحِك أما اليوم فيُقال شرُّ الأرقام ما يُضحِك.

المصدر:
الأنوار

خبر عاجل