لم يكن من الصعب التنبؤ بالخطوة العسكرية التي أقدم عليها الرئيس السوري بشّار الأسد عندما أعلن أن تحرير حلب سيبدأ خلال هذا الأسبوع. وبما أن الإستشارات تصله عادة من سفيرَي روسيا وايران، فقد نصحاه بضرورة إستكمال ما يُسمى بلغة العسكريين: إستثمار الزخم وقوة الإندفاع.
في ضوء هذه النصيحة إستطاع فريق النجدة، الذي توجه من قواعد “حزب الله” في الجنوب، أن يدخل الى مدينة القصير السورية، وينتشر في شوارعها وأزقتها خلال 17 يوماً.
وجاءت نصائح السفيرَيْن الوحيدَيْن اللذين لم يغادرا دمشق، كما فعل سائر الديبلوماسيين، لتشدد على أهمية إستغلال المعطيات الدولية والإقليمية التي تعمل لمصلحة النظام. وقد برز من هذه المعطيات أربعة:
أولاً – تورط الرئيس الاميركي باراك اوباما في برنامج التجسس والمراقبة، الأمر الذي أحرجه أمام الكونغرس والحزب الجمهوري، وعرّضه لانتقاد حلفائه الاوروبيين.
ثانياً – إنشغال رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان بتصفيه حساباته مع أحزاب المعارضة التي جمّدت نشاطاته الخارجية، وصرفته عن الإهتمام بشؤون جارته سوريا.
ثالثاً – إعلان رئيس هيئة أركان “جيش سوريا الحر” اللواء سليم إدريس، عن رفضه الإشتراك في جنيف – 2 قبل أن تتلقى قواته أسلحة نوعية تُحدِث تغييراً على الأرض.
رابعاً – فشل وزير الخارجية الاميركي جون كيري في إعادة الطرفين، الاسرائيلي والفلسطيني، الى طاولة المفاوضات.
جميع هذه المعطيات شجعت النظام السوري على إستكمال خطة إسترجاع المدن التي إحتلتها قوات مَنْ يصفهم الأسد بالارهابيين والمأجورين. خصوصاً بعدما ساهم “حزب الله” و”الحرس الثوري الايراني” في معارك شرسة إستمرت 17 يوماً قبل إسترداد مدينة القصير. وقد حرص الجيش النظامي على القيام بمهمة المساندة من الجو بحيث سهَّل أمام حلفائه عمليات “تمشيط” الشوارع وتفريغ المنازل.
يؤكد المراقبون أن الحرب الأهلية في سوريا أدت الى تمتين التحالف بين النظام من جهة… وايران و”حزب الله” من جهة أخرى. ويعترف بشّار الأسد، أمام أصدقائه المقربين، بأنه مدين لمقاتلي “حزب الله” بانتصاره في معركة القصير. ومثل هذا الإنتصار، في رأيه، منحه زخماً جديداً في محاولة إستعادة السيطرة على المدن المركزية مثل حمص وحلب.
خلال مرحلة التهيؤ لإستعادة هاتين المدينتين، كثيراً ما يُشاهَد في دمشق قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني. وهو يُعتبر أقوى شخصية عسكرية في ايران والمجموعات التابعة لنفوذه في الدول العربية. ومعنى هذا أنه يشرف شخصياً على سير المعارك.
وتُقدِّر الإدارة الاميركية أن “حزب الله” إستنفر أكثر من خمسة آلاف مقاتل لمعارك سوريا الداخلية، بينهم ثلاثة آلاف يشاركون مشاركة فعلية في مساندة الجيش النظامي. يُضاف الى هذا العدد سبعة آلاف متطوع إنضموا الى المدافعين عن النظام، قدِموا من لبنان والعراق وروسيا ومختلف الدول العربية والاوروبية.
علي الموسوي، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، إعترف لوكالات الأنباء أن الحكومة ملتزمة سياسة عدم التدخل في الأزمة السورية.
وقال إن المالكي يرفض تسليح الجماعات المعارضة كونه يؤيد الحل السياسي، ويطالب بتطبيق سياسة النأي بالنفس.
وتسلم العراق أكثر من 14 جثة الأسبوع الماضي لشبان قضوا في معارك ضد المعارضة السورية قرب دمشق. وقد إتهمت المعارضة جماعة “عصائب أهل الحق” وكتائب “حزب الله” في العراق، بالوقوف وراء بعض العمليات.
وينقسم العراق، الذي يملك حددوداً مشتركة مع سوريا بطول 600 كلم، بين منتقدين لبشّار الأسد جراء النزاع الدموي الدائر منذ آذار 2011… ومؤيدي المعارضة المناهضة للنظام وحلفائه.
في هذا السياق، ناشد الرئيس الشيشاني رمضان قديروف قادة المسلمين في بلاده تقديم المزيد من المعلومات والإيضاحات حول ما يجري في سوريا بحيث يدرك الشبان حقيقة هذه الحرب قبل المشاركة في أحداثها.
وكان مدير الجهاز الأمني الروسي، الكسندر بورتنيكوف، أعلن أن هناك أكثر من مئتي روسي يشاركون في القتال الدائر داخل سوريا.
يُجمِع المراسلون على القول أن عدد المتطوعين للقتال مع المعارضة السورية قد تضاءل كثيراً بعد دخول الإسلاميين المتطرفين الى خطوط الجبهة الأمامية. مثال ذلك أن الحملة الإعلامية التي شجعت شبان الألبان على الجهاد، قد توقفت بعد مقتل عشرة متطوعين جاؤوا من كوسوفو ومكدونيا وصربيا.
والثابت أن التوتر المذهبي قد تجدد بقوة عقب سقوط مدينة القصير، وإحتفال أنصار “حزب الله” في الضاحية الجنوبية من بيروت بسقوطها. وإستغل الداعية البارز يوسف القرضاوي المشاهد المقززة على شبكات التلفزيون، كي يُصعِّد إحتجاجه ضد الذين يقاتلون إخوانهم باسم الله.
هذا في حين إنتقد الرئيس الموقت للإئتلاف الوطني السوري المعارض، جورج صبرا، مشاركة ايران و”حزب الله” والعراق، في معركة القصير، الأمر الذي يحرف القتال عن أهدافه الصحيحة. وتخوَّف من إندلاع حرب مذهبية سنية – شيعية في حال إستمرت ايران في تحدّي المعارضة السورية ومَنْ يؤيدها من دول مجلس التعاون الخليجي.
بعد وصول تعزيزات عسكرية الى ريف حلب، تظهر الإستعدادات اللوجستية لدى الفريقَيْن أن معركة الحسم ستكون ضارية وطويلة. والسبب أن ثوار المعارضة تغلغلوا في الريف الذي يطوِّق أكبر مدينة سورية من الجهات الأربع. ويقدِّر المهندسون أن مساحة حلب تجاوزت الثلاثين كيلومتراً مربعاً بدءاً من خان العسل غرباً الى مستديرة المطار شرقاً. وقد ضمَّت أكثر من خمسين فندقاً بينها “قصر المنصورية” الذي إستخدمته الدولة كقصر خاص بضيوفها الرسميين. ويقول مالكه إن هذا الفندق بُنيَ سنة 1570، وإن تاريخ المدينة يرجع الى أربعة آلاف سنة ق. م، إستناداً الى حفريات إكتشفها الالمان تحت ركام القلعة.
يقول المؤرخون إن لقب “الشهباء” أطلِقَ تيمناً ببقرة سيدنا ابرهيم الخليل التي كانت تحمل هذا الإسم. وقد مرَّ في حلب بعد مغادرته “أور” في العراق متوجهاً الى فلسطين. ويُفاخر سكان المدينة، التي كانت تضم نحواً من أربعة ملايين نسمة، بأنها أنتجت أفضل الرجال المتفوقين في مختلف المجالات، إشتهر منهم: سعدالله الجابري وابراهيم هنانو ورشدي الكيخيا وعبدالرحمن كيالي وناظم القدسي وساطع الحصري ومجدالدين الجابري ومعروف الدواليبي وعبدالفتاح الزلط ورشاد برمدا، وغيرهم.
الخبراء العسكريون يؤكدون أن الإنتصار في حلب سيكون على حساب تدمير ما تبقى من معالمها المدمَّرة جزئياً، مثل الجامع الأموي الكبير والقلعة التاريخية والأسواق القديمة. كما يتوقعون أيضاً إمتداد المعارك الى أكثر من شهرين، على إعتبار أن إختراق مناطق الريف يحتاج الى قوى مدربة على قتال البساتين والمجنزرات.
منظمة الاونيسكو إتصلت بقادة الفريقَيْن متمنية إبتعاد المقاتلين عن المواقع الأثرية المسجلة لدى المنظمة، مثل مئذنة جامع المهمندار التي يزيد عمرها على سبعة قرون، والواقعة في حي باب النصر. كذلك وجهت مديرة اليونسكو، ايرينا بوكوفا، نداء الى المحاربين ترجوهم حماية مواقع التراث لأنه من الصعب ترميم قلعة حلب مثلاً، إذا كان هدف المعارك المقبلة هو القضاء على البشر والحجر.
منذ أسبوعين حمل الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون على الرئيس باراك اوباما، واصفاً سياسته المتخاذلة بأنها تجرد الدور الاميركي من قوته، وتعطي روسيا، المنهارة إقتصادياً، صلابة هذا الدور. وإتهمه بأنه يسعى الى تمرير ما تبقى من ولايته الثانية بتجيير دور اميركا الى دول الإتحاد الاوروبي التي أصيبت بخيبة أمل مريرة. وقد ذكّره كلينتون بالدور الذي قام به أثناء أزمة كوسوفو، وكيف وظف القضية الإنسانية لإنهاء الحرب، بعدما بلغت الإرتكابات حداً لا يُحتَمل.
وكان كلينتون بهذا التلميح يشير الى الأرقام المرعبة التي صدرت عن الأمم المتحدة، والتي تتحدث عن 93 ألف قتيل في سوريا كحد أدنى. في حين تقول مصادر أخرى إن الرقم تجاوز المئة ألف بكثير.
الدولة اللبنانية متخوفة من المؤثرات السلبية التي قد تتركها الحرب الأهلية السورية على النسيج الإجتماعي في لبنان. وقد ظهرت نتائج هذه المؤثرات عبر الخروقات التي أحدثتها المروحيات السورية في بلدة عرسال. كما ظهرت في الشكوى المؤجلة الى الأمم المتحدة والجامعة العربية. وربما كان هذا الحد الأدنى الذي يمارسه الرئيس ميشال سليمان المؤتمَن على سلامة المواطنين وسيادة الوطن.
في مواجهة المأزق الذي تعانيه الدولة اللبنانية جراء دفاع “حزب الله” عن النظام السوري، وصلت الى بيروت أصداء الحملات السياسية التي تقوم بها دول مجلس التعاون الخليجي حيال نصف مليون لبناني يعملون في الخليج. وهي أصداء غير سارة كشف عن بعض ملامحها التعاطي الحذر مع الحفلة المؤجلة للمطربة ماجدة الرومي في أبو ظبي!