أمّا العالم العربي، والخليجي منه، فهو محكوم بقيود عدة، بحيث لا يستطيع أن يسلّم الثوّار أسلحة أميركية وأوروبية موجودة لديه، لأنّ عقود التسليح التي وقّعتها هذه الدول تبقى سارية المفعول حتى انتهاء عمر هذا السلاح، فلا يمكن نقله من دون الحصول على موافقة مَن مَدَّ هذه الدول بالسلاح. أضف إلى أنّ تجّار الأسلحة لا يستطيعون بيع الثوّار أكثر من السلاح الموجود حاليّاً بين أيديهم، فتكون قدرة الدول العربية مقتصرة على تمويل الثوّار بما يؤمّنه تجّار الأسلحة من السوق السوداء، إضافة إلى مدّ الثوّار بالمال، فيما القرارات الصادرة عن المؤتمرات العربية والخليجية لا تزال بعيدة جدّاً عن مستوى المواجهة المطلوبة مع نظام بشّار الأسد و”حزب الله”.
أمّا العالم الأوروبي، فهو العالق بين فكرة نشر الديموقراطية في العالم العربي وراهناً في سوريا، وبين الخوف من توغّل المتشدّدين في أرض المعارك السورية، خصوصاً أنّ بعض المتشدّدين ينطلق من أوروبا أو من الأنظمة التي تعيش في مواجهة شبه دائمة مع القوى التكفيرية أو السلفية، ما يجعلها تتردّد مئات المرّات قبل التفكير في دعم الثوّار، بحيث تقتصر المساعدة على الدعوات الى فتح ممرّات إنسانية والمطالبة بالسماح للّجنة الدولية للصليب الأحمر بنقل الجرحى، وفي أفضل الحالات إرسال بعثات لتقصِّي الواقع الإنساني والميداني بغية تحديد حجم المساعدة الإنسانية المطلوبة ونوعها.
أمّا الولايات المتحدة الأميركية، وعلى رغم الحديث عن المساعدات المنويّ تقديمها إلى الثوّار، فيبدو أنّها اعتمدت منذ اندلاع الثورة السورية تلك السياسة التي طبَّقتها في ثمانينات القرن المنصرم، عندما جعلت إيران تستنفد قوّتها في حربها مع العراق من خلال حرب دامت ثماني سنوات، ما أخرّ مشروع التسلّح الإيراني. وها هي إيران مجدّداً تستنفد قوّتها في سوريا، حيث تتواجه أبرز خصوم الولايات المتحدة وإسرائيل هناك، فيتطاحن الإيرانيون وبعض العراقيين والروس والنظام السوري و”حزب الله” من جهة في مواجهة ثوّار بدرجة أولى، وعلى الدرب بعض المتشدّدين. وكلّما طال أمد النزاع أو الاستنزاف وانعدمت التكلفة الأميركية، وتحقّقت مصلحتها، كان الأمر أفضل، إضافة إلى أنّ ذلك سمح للدول العظمى بالعودة إلى الساحة الدولية من حيث التأثير في القرار الدولي بعدما تفرّدت به الولايات المتحدة زهاء عشرين عاماً إثر انتهاء الحرب الباردة.
أمّا إسرائيل فهي التي اعتادت منذ نشأتها أن تشنّ كلّ خمس سنوات حروباً على العالم العربي، كان أكثرها على الشعبين الفلسطيني واللبناني.
أمّا قَدَر الثوّار فتصنعه عزيمتهم وقدرتهم على تجاوز المشكلات والعوائق، لا سيّما منها تلك الناجمة عن نظرة العالم الغربي إلى المتشدّدين مع وجوب تفهّم الأسرة الدولية أنّ دخول الايرانيين والشيعة أرض المعركة كان كفيلاً وحده بشدّ العصَب السنّي حتى أقصاه.
على رغم هذه المعطيات القاتمة نوعاً ما، إلّا أنّ التاريخ الحديث لم يُثبت فشل ثورة شعب يدافع عن تاريخه وأرضه ورزقه وإيمانه وتقاليده، ويكافح نظاماً استبدّ به عقوداً فيترك له فرص الإنقضاض على ثورته في مهدها. فهل يستسلم العالم لهذه الصورة؟ أم هو راغب بها؟ أم أنّه يتحرّك فيجعل من الحرّية فرصة قابلة للحياة في بلاد الشام؟