
اكتسح مرشح المعتدلين والمدعوم من قبل الإصلاحيين، حسن روحاني، في ما يمكن وصفه بـ “تسونامي” وبداية “ربيع إيراني”، نتائج الانتخابات الإيرانية، وفاجأ كل المراقبين بتمكنه من إبعاد المرشحين المحافظين، بينهم علي أكبر ولايتي، المرشح المحظي من قبل المرشد علي خامنئي ومستشاره للشؤون الخارجية، الذي حل في ذيل الترتيب.
مصادر ديبلوماسية متابعة للشأن الإيراني، سجلت عدداً من الملاحظات بشأن “الانقلاب الأبيض” في إيران؛ وفي مقدمها أن النتائج تبرز وتؤكد إرادة لدى الشعب الإيراني بتغيير في الجوهر وليس في الشكل، وهو ما ستأخذه “الدولة العميقة” بعين الاعتبار، رغم الصعوبات والتحديات التي ستواجه الرئيس الجديد في ظل ميزان القوى الراهن.
ورأت المصادر أن التصويت بهذا الشكل الصادم، يعني رفضاً شعبياً مطلقاً للخط الذي ينحو باتجاه المزيد من “عسكرة” النظام والمجتمع، من خلال رفضه لمرشح “الدولة العميقة”، خصوصاً حرس الثورة، محمد باقر قاليباف، الذي حل ثانياً، لكنه لم يجمع سوى ثلث عدد الأصوات مقارنة بما حصل عليه روحاني.
وتوقفت المصادر أمام سؤال بات يطرح بجدية حتى قبل صدور نتائج الانتخابات الصادمة للمحافظين وللمرشد نفسه، وهو بشأن الولاية المطلقة للولي الفقيه، التي رفضها الشعب بتصويت ساحق لمصلحة روحاني، خصوصا وأن خامنئي قارب ربع قرن من ولايته.
وتعتبر المصادر أن تلك النتائج تعتبر نصرا لهاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، اللذين أيدا روحاني، وكانا قد جاهرا قبل الانتخابات بضرورة نقاش مسألة دور المرشد و”الولاية المطلقة” التي احاط نفسه بها. ويستدل المراقبون في تأكيدهم على هذا التحليل، بنتيجة التصويت في مدينة قم، حيث حصل روحاني على 400 ألف صوت مقابل 100 الف لقالبييف.
ولا يخفف وطأة الهزيمة، ترحيب المرشد بانتخاب روحاني رئيسا جديدا لايران، وفق ما ورد على الموقع الرسمي للمرشد، الذي كتب “اهنئ الشعب والرئيس المنتخب”، مؤكدا ان “على الجميع مساعدة الرئيس الجديد وحكومته”. كذلك طالب المرشد الاعلى الايرانيين بتفادي “السلوك غير الملائم” خصوصا من جانب الاشخاص الراغبين في اظهار “فرحهم او استيائهم”، في اشارة الى انصار الرئيس المنتخب ومعارضيه.
وفي حين تحذر المصادر من أن المعركة لم تنته بعد، لأن خامنئي يحظى بتأييد مجلس الشورى، ولا يتوقع بالتالي تغيير فوري عميق في السياسة العامة لإيران، إلا أنها تعتبر ما حصل عبارة عن بداية تغيير حقيقي، وستكون انعكاساته منظورة وملموسة ليس في الداخل الإيراني فحسب، وإنما على حلفاء إيران في المنطقة وخصوصاً النظام السوري و”حزب الله” في لبنان. وتلفت تلك المصادر إلى ما حصل خلال مباراة كرة القدم قبل أيام في طهران بين المنتخبين الإيراني واللبناني، إذ رفع المشجعون الإيرانيون وهتفوا بـ “لا غزة ولا لبنان روحي فداء لإيران”.
من هنا يمكن قراءة التصريح الذي أدلى به الرئيس المنتخب حسن روحاني، مساء أمس عبر التلفزيون الرسمي، لناحية إشادته بـ”انتصار الاعتدال على التطرف” وتأكيده ان “هذا الانتصار هو انتصار الذكاء والاعتدال والتقدم (…) على التطرف”.
وطلب روحاني من المجتمع الدولي “الاعتراف بحقوق” ايران ليحصل في المقابل على “رد ملائم”، في اشارة الى مفاوضات الملف النووي. وقال “على الساحة الدولية، ومع الفرصة التي انتجتها هذه الملحمة الشعبية، (اطالب) من يتغنون بالديموقراطية والتفاهم والحوار الحر (الدول الغربية) بان يتحدثوا باحترام الى الشعب الايراني ويعترفوا بحقوق الجمهورية الاسلامية، حتى يتلقوا ردا ملائما”، في اشارة الى المفاوضات النووية المتعثرة مع الدول الكبرى.
وتعهد روحاني ببذل ما بوسعه لتحقيق الوعود التي قدمها خلال حملته الانتخابية. وقال “لاشك ان الفائز الحقيقي في الانتخابات هو الشعب الايراني الواعي والهادئ المفعم بالأمل ، ذلك الشعب الذي خطا خطوة واسعة وراسخة لتحقيق العزة والمصلحة القومية والادارة المبنية على الاعتدال والاصلاح والتدبير عبر ايمانه بالحق والثقة بسيادة الشعب الدينية”.
وجدد روحاني التذكير بالوعود التي قطعها للشعب مؤكدا بانه سيبذل ما بوسعه لتحقيقها “بدعم من أبناء الشعب”، منوها الى ان “الحضور الملحمي للجماهير في المسرح السياسي يبشر بالاستقرار والأمل في القطاع الاقتصادي وتسريع عجلة الانتاج في البلاد وتوفير فرص عمل جديدة”.
وقال ان “الذين يحترمون الديموقراطية ومبادئ التعامل والحوار الحر المبني على الحق عليهم ان يتحدثوا مع ايران منذ الان فصاعدا بأسلوب مناسب ليتلقوا ردا مناسبا، وان يعملوا على النهوض بمستوى السلام والأمن والتنمية في المنطقة والعالم من خلال تعزيز العلاقات تأسيسا على المصالح المتبادلة”.
وأصدر الرئيس محمود أحمدي نجاد بيانا هنأ فيه روحاني بفوزه بالانتخابات الرئاسية، معرباَ عن أمله بأن “يتيح تقدير وثقة الشعب الإيراني للرئيس الجديد فرصة الخدمة والسعي لاستقرار العدالة والرخاء أكثر من ذي قبل”. كما قدم المرشحون الخاسرون محمد قاليباف وسعيد جليلي ومحسن رضائي وعلي أكبر ولايتي وسيد محمد غرضي تهانيهم لروحاني .
وكان روحاني الذي انتقد اداء أحمدي نجاد في ملف العلاقات مع الغرب، أشار في حديث صحافي إلى أن من أولوياته إعادة نسج علاقات حسنة وتحالفية مع الدول العربية وخصوصا الخليجية منها وفي مقدمها المملكة العربية السعودية التي تردّد أمس أنّها ستكون أول محطة في جولاته الخارجية.
وبكل الأحوال وعلى الرغم من أهمية منصب الرئيس الإيراني، إلا أنه في الحقيقة لا يضع الخطوط العريضة لسياسات بلاده ومنها تلك التي تتعلق ببرنامجها النووي وعلاقتها مع الغرب ومشروعاتها العسكرية، فهذه الأمور جميعها تقع في يد خامنئي، بيد أن منصب الرئيس يحتم عليه مراقبة أداء القطاعات المهمة في البلاد، مثل الاقتصاد الذي يحتاج إلى إدارة ناجحة في وقت تقاوم فيه إيران عواقب العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي . ويمكنه المساهمة مع المرشد في وضع السياسات الاستراتيجية لبلاده، غير أن هذا الأمر يعتمد بقدر كبير على شكل العلاقات بينهما.
وكان وزير الداخلية الايراني مصطفى نجار أعلن في مؤتمر صحافي ان روحاني فاز بـ18 مليونا و61 ألفا 32 صوتاً من مجموع 35 مليوناً و458 ألفا و747 من الأصوات الصحيحة في الانتخابات التي جرت أمس.
وأشار الوزير الى ان نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 72,7%. وتنافس ستة مرشحين على الفوز بالمنصب.
وحل المرشح محمد باقر قاليباف في المرتبة الثانية بحصوله على 6 ملايين و77 ألفا و292 صوتاً، والمرشح سعيد جليلي في المرتبة الثالثة بحصوله على 4 ملايين و 968 ألفا و946 صوتاً، والمرشح محسن رضائي رابعاً بحصوله على 3 ملايين و 884 ألفا و 412 صوتا. وحل المرشح على أكبر ولايتي خامسا بحصوله على مليونين و268 ألفا و753 صوتاً، يليه المرشح محمد غرضي سادسا بحصوله على 446 ألفا و15 صوتا .
وأوضح نجار انه وفقا للمادة 79 من القانون فإن على مجلس صيانة الدستور التصديق على نتائج الانتخابات خلال فترة أقصاها عشرة ايام.
وفور اعلان النتيجة تجمع نحو الف شخص في احدى الساحات الكبيرة بوسط طهران للاحتفال بفوز مرشحهم، ولوح هؤلاء بصور لروحاني وادوا اناشيد. وفي شمال المدينة تم الاحتفال بفوز روحاني باطلاق العنان لابواق السيارات.
ووجه التلفزيون الرسمي تهنئته الى الرئيس الجديد. ووجه الرئيس الايراني المنتهية ولايته محمود احمدي نجاد رسالة تهنئة الى روحاني.
اقرأ ايضا: