
لم يضحّوا بيوم عطلتهم «فدا السيّد»، ولم يتوافدوا «لعيونك»، وليس لأنّ البرتقاليّين حضروا «نوّرت» الشمس، وليس لأنّ «ألله قوّات» غصّت الساحات… من مختلف الانتماءات والجنسيّات جاؤوا ليشاركوا في إعادة تدشين بازيليك حريصا وتكريس لبنان لمريم، ليشهدوا على هذا «العرس السماوي» على حدّ تعبير أحدهم.
وضع اللبنانيون انقساماتهم السياسية جانباً، وتعالوا أمس عن خلافاتهم هاتفين بصوت واحد: “دخيلك يا مريم”، لم يحملوا معهم للطريق شيئاً: لا عصاً، ولا كيساً، ولا خبزا… إنّما كلمة لكلّ منهم طريقة خاصة في أن يهمسها في أذن السيّدة العذراء.
تعدّدت نقاط التجمّع في المناطق بحسب بعدها الجغرافي، إلّا أنّ “بكركي” شكّلت نقطة الانطلاق الوحيدة المشتركة للباصات المخصّصة لنقل المؤمنين في اتّجاه “بازيليك” حريصا التي شهدت مداخلها تدابير أمنيّة مشدّدة. على رغم أنّ هذه الإجراءات التي كادت تثير انزعاج المشاركين نتيجة وقوفهم صفّاً طويلاً لتفتيش حقائبهم، إلّا أنّ أحداً لم يتذمّر، وسرعان ما علَت الضحكات حين علّق أحدهم: “حلو النظام، مش معوّدين نوقف بالصف”.
مراسم الاحتفال
بعدما أتمّ مراسم التكريس ومسح أبواب البازيليك وجدرانها بالميرون المقدّس، رأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي القدّاس الإحتفالي بمشاركة بطاركة الشرق والسفير البابوي غابريال كاتشيا، ومعاونة لفيف من المطارنة والكهنة، في حضور رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وعقيلته السيّدة وفاء، ورئيس الحكومة المكلّف تمّام سلام، ورئيس حزب الكتائب اللبنانية الرئيس أمين الجميّل، وعدد من الوزراء والنوّاب والشخصيات الرسمية.
بعد الإنجيل المقدّس، شدّد الراعي في عظته على أهمّية تكريس لبنان كلّه، قائلاً: “نكرّس لبنان لقلب مريم الطاهر، فهذا مطلب لبنانيّ مسيحيّ – إسلاميّ، كما يتبيّن من هذا الحضور. تكريس لبنان هو التزام منّا جميعاً، بحمايته كأرض مقدّسة، وبمحاربة الفساد الأخلاقي في داخل كلّ إنسان، والظاهر في الإعلانات على الطرقات وفي وسائل الإعلام وتقنياته الحديثة، والمتفشّي في الأداء السياسي والإدارات، وفي التخاطب والتعاطي، وفي عدم الحياء”.
واعتبر الراعي أنّ “فريقَي “8 و14 آذار”، بنزاعهما المتمادي، شوّها وجه لبنان وميثاق العيش معاً، ووجه لبنان التنوّع والديموقراطية، وبنزاعهما المتمادي عطّلا الانتخابات النيابية في موعدها، ويعطّلان تأليف حكومة جديرة برفع تحدّي الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة، وتحدّي الفلتان الأمني المنذر بأوخم النتائج، وتحدّي وجود مليون ومائتي ألف نازح سوري، مع كلّ ما يحمل هذا الوجود القسري المقهور من ويلات اقتصادية وأمنية وإنسانية وسياسية.
وبنزاعهما يفكّكان المؤسّسات الدستورية والقضائية الواحدة تِلو الأخرى. وبنزاعهما أطاحا بحياد لبنان و”إعلان بعبدا”، وتورّطا في الحرب المؤلمة والمؤسفة في سوريا، ويورّطان لبنان وشعبَه في تداعياتها وفي نتائج هذا التورّط”.
وأعرب الراعي عن مساندته للرئيس سليمان، قائلًا: “ندعمكم الدعم الكامل، ونصلّي من أجلكم في كلّ مبادرةٍ إنقاذية يلهمكم الله والعذراء مريم على اتّخاذها، من أجل الحفاظ على كيان لبنان في وحدته وسيادته واستقلاله، بعقدٍ إجتماعيٍّ متجدّد على أساس الميثاق الوطني المعقود سنة 1943. وندعم ونصلّي من أجل حماية الجيش اللبناني والقوّات المسلّحة التي أنتم قائدها الأعلى، فهي وحدها، دون سواها، تحمي الكيان اللبناني في مقوّماته الثلاثة”.
تحيّة بابوية
بعدها، نقل كاتشيا تحيّات البابا فرنسيس الى اللبنانيين، في كلمة ألقاها: “إنّ الأب الأقدس يستودعكم حنان قلب مريم الطاهر ويوجّه إليكم من صميم القلب وبمحبّة، بركة رسولية تشمل المؤمنين الحاضرين”.
هدية بإسم اللبنانيّين
في هذه المناسبة، قدّم سليمان وعقيلته مسبحة، بإسم اللبنانيين من الطوائف كافّةً، إلى تمثال السيّدة العذراء “أم النور”، مسبحة مصنوعة من حبّات الفيروز واللؤلؤ، أمّا الصليب فهو قطعة أثرية نادرة تعود الى القرن التاسع عشر، فيما صُنعت السلسلة من الذهب الصافي.
في المقابل قدمّ الراعي الى سليمان تمثالاً مصغّراً عن العذراء “أم النور” مع ميدالية ذهبية في داخله رمزاً للسيّد المسيح. فيما قدّم رئيس جمعية المرسلين الموارنة الأب خليل علوان بإسم الرهبان الكرمليّين، أيقونة العذراء الى السيّدة وفاء.
بعد انتهاء الذبيحة الإلهية، أقيم زيّاح لإعادة تمثال “مريم أم النور” من البازيليك الى مزار سيّدة لبنان، بعدما طاف طيلة شهر أيّار المنصرم والنصف الأوّل من الشهر الجاري، على البلدات والقرى اللبنانية.
علوان لـ«الجمهورية»
على هامش هذا الحدث، لفت رئيس “مزار سيّدة لبنان” في حريصا الأب خليل علوان في حديث لـ”الجمهورية” إلى أنّ الترميم لم يطل جزءاً محدّداً من البازيليك، إنّما شمل الداخل والخارج، بعدما تأثر البناء بعوامل التعرية الطبيعية، إذ لم تحمِ قشرة الباطون الرقيقة البناء من رياح البحر المشبعة بالرطوبة، ممّا سبّب صدأ في الحديد الذي تآكل، وتفتّت الباطون في جسور السطح، فكان لا مفرّ من ورشة الترميم التي انطلقت عام 2008 لتنتهي هذا العام”.
وأضاف: “أبرز تعديلات البازيليك، طاولَ خرسانتها وسقفها وتجديد واجهتها الزجاجيّة وسطحها، مقاعد خشبية جديدة إضافة إلى تزويدها بشاشة إلكترونيّة عملاقة، وجهاز صوت وإنارة جديدين”.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ البازيليك ستتلوّن من الآن فصاعداً، بألوان مختلفة بحسب المناسبة، على نحو يمكن مشاهدتها ليلاً من البرّ والبحر والجوّ”.
زوين «ما غَلّ لسانها»… حبيش وزوجته عصفورا حبّ
• مع دخول الرئيس ميشال سليمان وزوجته البازيليك علت “الزلاغيط” والهيصات المرحّبة.
• منذ لحظةِ دخول النائب جيلبرت زوين إلى البازيليك وتوسّطها النائبين مروان فارس وعاطف مجلاني، “ما غَل لسانها”، على حدّ تعليق أحد المؤمنين، متلفتة يميناً وشمالاً، وهي تجول بنظرها متفحّصة وجوه من حضر في الصفوف الأمامية.
• طوال الاحتفال الإلهي، بدا النائب هادي حبيش وزوجته سينتيا كعصفوري حب في سربهما الخاص، تارةً يتهامسان مبتسمين وطوراً يستعينان بالكتيّب الموزّع كمهواة.
• أوّل مرّة صفّق المؤمنون داخل البازيليك كانت للرئيس أمين الجميّل الذي بادلهم بإلقاء التحيّة والابتسامة تعلو محيّاه.
• حظيت النائب السابق نايلة معوّض بسلام حارّ من عدد كبير من النساء المشاركات اللواتي أعربن عن عطفهنّ لها بالتصفيق، وبدورها تمهّلت لإلقاء التحيّة على من اتّجه نحوها.
• لم تكد تبدأ المناولة، حتى كان النائب إميل رحمة أوّل مغادري البازيليك، ليعود ويتبعه النائب مروان فارس متأبّطاً ذراع مجدلاني وهما يشقّان طريقهما بين الحضور.