#adsense

تحية إلى “الخارجين”

حجم الخط

يسألونني عنه أنّى ذهبت، في فرنسا وتونس، في انكلترا وفنزويلا. أنا من لبنان، يعني من عند “حزب الله”. المطلوب موقف على الفور: معه أم ضده؟ المطلوب تحليل لماضيه وحاضره والمستقبل. كأني بكل لبناني متخصص حكماً بشؤون هذا الحزب. أما شيعة لبنان؟ فـ”حزبلويّون” لا مفرّ. ليس هناك “زمطة” من هذا التبويب القسري المجحف جداً. ينسى العالم، وننسى معه، أن ثمة تاريخاً سياسياً وثقافياً وفكرياً ونضالياً مشرقاً من الأسماء الشيعة ليسوا في صفوف الحزب. في المقابل، ينسى العالم أيضاً أن ثمة بين مؤيدي الحزب من هم من غير الشيعة (بفضل الأخ ميشال عون، كرّم الله وجهه). الأهضم أن “حلفاء” الحزب من غير الشيعة (كلمة “حلفاء” تخينة لأنهم ملحقون وأتباع) يستبسلون في الدفاع عنه أكثر من دفاع الشيعة أنفسهم. إياك، مثلاً، ثم إياك، أن تجرؤ على ذكر الحزب بالسوء أمام عونيّ مؤدلج: تروح عليك يا معتّر. ينسى العونيون، بل يتناسون (التناسي رياضتهم المفضلة) ما قاله الجنرال في زمانه الأنتي- سوري، وتحذيراته من خطر الحزب على لبنان. “عنزة ولو طارت”. الزعيم البرتقالي بطل في تطيير العنزات، وجمهوره بطل في تصديقه ع العمياني. أحياناً أتساءل ما سيكون رد فعل جمهوره هذا لو وصلت به متطلبات التحالف العظيم الى الطلب من شبانه الأشاوس الذهاب الى سوريا لمساندة “حزب الله” في الدفاع عن عدو الأمس بشار الأسد. لن أفاجأ لو ذهبوا، واخترعوا تبريرات مناسبة. التبرير مسألة حياة أو موت، وهو أقوى من كل حجة. “كلام إلهي”، لا يخضع للتأويل ولا للإفتاء.

المسألة، كل المسألة، أن الإنكار بات يندرج في صلب الثقافة السياسية – الدينية، وأن حياتنا أصبحت تخلو من التبصر النقدي والعقلي. هي صارت غريزية، قطيعية، تنزيلية، يُعبَّر عنها بتأييد الزعيم، زعيم المذهب، أو الحزب، أو التيار، تأييداً أعمى، لا مساءلة فيه، ولا مناقشة. كلّ تمايز، يمكن تظهيره داخل هذه الجماعات الآنف ذكرها، يُحكَم على صاحبه بالمروق والخيانة والعمالة والكفر… هذه حال “الخارجين” بخفر، فكيف بـ”الخارجين” علناً على طوائفهم ومذاهبهم، وعلى الأحزاب والتيارات التوتاليتارية التي تصادر هذه الطوائف والمذاهب، وتختصرها في ذاتها، رافضةً كل تنوّع نقدي. يتجلى ذلك، أكثر ما يتجلى، في الترهيب المعنوي والمادي، الذي يطاول سياسيين ومثقفين ومواطنين عاديين، لكن “نقديين”، من أبناء الطائفة الشيعية، حيث يتعرض هؤلاء، بطريقة منهجية، لأنواعٍ شتى من الإحراج والتضييق والتحريض، وأحياناً للأذى الجسدي، وصولاً إلى القتل.
تحية إلى “الخارجين”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل