هي هزيمة للاستكبار العالميّ والرجعيّة العربية! هذا طبعاً بحسب صحيفة “كيهان”، أكثر الصحف المحافظة تشدّداً في إيران والموجّهة من مكتب المرشد علي خامنئي. الصحيفة كلّفت نفسها عناء الترجمة السياسية لنتائج الانتخابات الرئاسية وفوز حسن روحاني من الدور الأوّل لمن لا يستطيع إلى الإدراك سبيلاً، فسجّلت الانتصارات “الإلهية” التالية، أو سلسلة الهزائم المزلزلة التي مني بها الغرب الإمبريالي وعملائه من العرب:
أولاً، اعتبرت صحيفة “كيهان” أن نسبة المشاركة المرتفعة هي هزيمة ماحقة للأعداء، وبيّنت أن “المشاركة المليونية الملحمية للشعب الإيراني الأبي في الانتخابات الرئاسية أكدت، مرة أخرى، لكل الحاقدين والحاسدين والمنافقين ضد نظامنا الإسلامي بأن الشعب الإيراني لا يزال وسيبقى وفياً لقيم ثورته وإمامه الراحل وملتفاً حول قيادته الحكيمة ومحباً كل الحب لنظامه الإسلامي”.
ثانياً، اعتبرت الصحيفة الانتخابات بمثابة انتصار تاريخي على العقوبات الاقتصادية. هذا يفترض بقارئ الصحيفة أن يتخيّل أن هذه العقوبات كانت في الوقت نفسه أخطبوطاً جهنمياً سحقته الديموقراطية الإسلامية الثورية بالضربة الانتخابية القادمة مع وصول روحاني، أو يحتمل أن الشعب “الصامد” غير مكترث أساساً بهذه العقوبات، وهي أوهن من خيوط العنكبوت، وأعجز من التسبّب بالمتاعب أو التسلّل ليوميّاته “الملحمية”.
تشدّد “كيهان” في هذا الصدد على أنّ الانتخابات وجّهت “صفعة قوية وصاعقة لأعداء الثورة الإسلامية وشعبنا المجاهد، خاصة تلك التي أرادت ولا تزال تريد السوء بشعبنا وبلدنا ووضعتا تحت سوط الحظر الاقتصادي والسياسي لكن من دون جدوى”.
ثالثاً، تخصّ الصحيفة الإعلام “الرجعي” العربي بهزيمة خاصّة، فتسخر من “البلدان العربية التي عاثت فساداً بإعلامها ودست السموم لدفع الشعب الإيراني الى عدم الإقبال على الانتخابات الرئاسية فأذهلها الحضور الشعبي الواسع والذي دفع بها إلى التزام الصمت وطأطأة الرأس لما أصابها من فشل ذريع بكل ما خططت له ضد شعبنا وبلادنا وتقدمنا ودورنا الريادي على المستوى الإقليمي والدولي”. لا تعليق هنا: هذيان مطلق. فمنذ متى يمكن أن يطرح الإعلام الناطق بالعربية على نفسه مهمّة حثّ أو لجم الناخب الإيراني عن الاقتراع؟ وأين هو هذا الصمت المزعوم، في وقت تحوّلت النتيجة الإيرانية الى الشغل الشاغل للإعلام العربي في اليومين الماضيين، وبفرح إيجابي أوليّ من رؤية ملايين الإيرانيين ينتخبون مرشحاً إصلاحياً معتدلاً في الوقت نفسه الذي يحطّم فيه حسن نصر الله أرقاماً قياسياً في التطرّف والصلف؟
رابعاً، تعتبر الصحيفة أن تمكّن المرشّح روحاني من الفوز من الدور الأول، وعلى مرشحين آخرين هم الأقرب الى المرشد والحرس الثوري، بمثابة انتصار على العالم أجمع. لماذا؟ لأن العالم أصيب بـ… “الذهول”. إنه سلاح الذهول يفتك بالإمبريالية. تقول “كيهان” إن هذه “الملحمة السياسية التي سطرها أبناء الشعب الإيراني الأبي والمقاوم والصامد” إنما أصاب “العالم برمته بالذهول” بسبب “حصول أحد هؤلاء المرشحين على أكثرية الأصوات وفي المرحلة الأولى من الانتخابات”. أضافت: “هو أمر بالغ الأهمية وليس له نظير على المستوى العالمي”.
هكذا، تنقسم الديموقراطيات إلى نوعين: تلك التي تحسم نتيجتها من الدور الأول (الديموقراطية المتطوّرة، نموذج إيران) وبين من تحتكم الى دور ثان (الديموقراطية النامية، فرنساً مثلاً).
خامساً، تأوّلت “كيهان” النتيجة، فاعتبرت أن الأهم من وصول روحاني من الدور الأول (وما أصاب العالم بالذهول جراء ذلك) هو نسبة المشاركة، ثم عادت واعتبرت أن نسبة المشاركة هي بحدّ ذاتها اقتراع لـ”القيادة الحكيمة والحاذقة المتمثلة بقائد الثورة الإسلامية سماحة الإمام الخامنئي”.
سادساً، مع كون المواجهة انحصرت بحسب الصحيفة بين من صنّفتهم “مبدئي ومعتدل وإصلاحي” إلا أنّها اعتبرت أن الانتخابات لم تكن رئاسية، بل هي استفتاء على شرعية نظام ولاية الفقيه، وأن هذا الاستفتاء تحتسب نتيجته بنسبة المشاركة المرتفعة ليس إلا، لا يهمّ من فاز ومن خسر. وهكذا جعلت من المشاركة “الميزان لقياس الشرعية الشعبية الدينية لكل اختيار اختاره الشعب الإيراني طيلة السنوات الأربع والثلاثين الماضية”. هكذا!
سابعاً، اعتبرت صحيفة “كيهان” هذا النصر الذي أصاب العالم بالذهول، ورسّخ الشرعية الثورية أكثر من ذي قبل، والذي فاز فيه خامنئي وحده إذا ما جيّرت له نسبة التصويت للمرشّحين وكافة (وهذا، استطراداً، أبلغ رد من “كيهان” على حسن نصر الله عندما قال إن للمرشد صوتاً واحداً، فهنا كل صوت يدلى في الصناديق يحتسب اقتراعاً له لسبب غيبي يفقهه القيّمون على الصحيفة المحافظة)، اعتبرته نصراً للديموقراطية الإسلامية الإيرانية على أعداء الديموقراطية من “القوى التسلطية وأذنابهم الرجعيين والعملاء الإقليميين والعرب الذي سخروا من الديمقراطية والحرية وحرية التعبير التي يتمتع بها الشعب الإيراني”.
انتصارات سبعة أمكن حصرها في صحيفة “كيهان”. طفرة من الهذيان والمكابرة لا شكّ، لكن اللافت أن العنصر “العقلاني” الوحيد في كل هذه الانتصارات “الخامنائية” المزعومة السبعة أنّها مشغولة بالدفاع عن شرعيّة النظام نفسه، رغم أن أحداً من المرشّحين لم يشكّك بهذه الشرعية. بالنسبة الى “كيهان” كلّ صوت أسقط في الصناديق هو صوت للقائد الخامنئي، وبالتالي لا أزمة شرعية، بل شرعية متجدّدة. حلّتها افتتاحية الصحيفة بهذا الشكل. لكن ما لم تحلّه هو شرعية هذا التجيير نفسه لأصوات الملايين، الذين حسموا من الدور الأول النتيجة، لمصلحة المرشد الذي كان بارك قبل أسابيع قليلة إقصاء هاشمي رفسنجاني عن السباق الرئاسي. من أين لك هذا التجيير يا مرشد؟ هنا يكمن السؤال، العمق الربيعي التحرّري، للنتيجة الحالية، وعلينا أن نراقب عن كثب، لكن بصبر ورويّة.