من يكشف القضاة أمنيّاً… يهدر دمهم

 

من يخطّط لضرب المؤسّسة القضائية؟ ومَن يسعى إلى كشف القضاة أمنيّاً وجعلهم عرضة للاستهداف والقتل؟مَن يحاول ترهيب القضاة وعائلاتهم ووضعهم تحت ضغط نفسيّ لمنعهم من اتّخاذ قرارات جريئة في ملفّات مفصلية وحسّاسة خاصةً ذات طابع أمنيّ خطير؟

مَن يتحمّل مسؤولية سحب الحماية الشخصية عن القضاة الذين يتصدّون لملفات في مكافحة الإرهاب والتنظيمات المسلّحة الخطيرة والاغتيالات، إضافة إلى مهرّبي المخدّرات؟

كيف يمكن لقاضٍ أن يحكم بجرأة واستقلالية تامّة في قضية إذا كان مهدّداً بالانتقام منه أو من عائلته، عندما يتمّ سحب عناصر الأمن المولجة بحمايته؟

مَن يريد أن يجعل من القضاة صيداً سهلاً للمنظّمات الإرهابية؟

المفارقة الكبرى، أنّ وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال شكيب قرطباوي زار قصر العدل في صيدا قبل نحو عشرة أيّام إحياءً لذكرى اغتيال القضاة الأربعة على قوس المحكمة هناك، وما إن عاد إلى مكتبه في بيروت حتى صدر قرار بسحب جميع مرافقي قضاة لبنان المولجين بحمايتهم الشخصية، وسحب الآليّات العسكرية التي تُستخدم لتمويه تنقّلاتهم.

وفي التفاصيل أنّ بعض أعضاء مجلس القضاء الأعلى كان قد طلب من النائب العام لدى محكمة التمييز منذ نحو شهرين أن يسعى إلى طرح إعادة توزيع مرافقي القضاة بحسب أهمّية الملفّات التي ينظرها كلّ قاضٍ على حِدَة وتبعاً للدرجة والأقدمية. فبُحث الأمر في اجتماع لمجلس الأمن المركزي في وزارة الداخلية حيث قرّر وزير الداخلية العميد مروان شربل سحب كلّ المرافقين المولجين بحماية القضاة، إنّما دون إعادة توزيعهم عليهم، وبالفعل بدأ المرافقون بترك مراكز خدماتهم وبالالتحاق في ثكنة الضبيّة للخضوع لدورة تدريبية في الحماية والتدخّل لمدة عشرين يوماً.

وقد أتى هذا القرار على خلفية اعتقاد الوزير بعدم وجود عناصر كافية لممارسة مهامّ الحماية والتدخّل، فكان المخرج بسحب هذه العناصر من القضاة.

تبعات القرار

إلّا أنّ قرار وزير الداخلية من شأنه أن يكشف القضاة في شكل خطير وفاضح، خصوصاً وأنّ الفوضى الأمنية تعمّ البلد، الأمر الذي اضطرّ مجلس النوّاب إلى التمديد لنفسه لمدة 17 شهراً بحجّة الوضع الأمني الخطير.

والسؤال الكبير الذي يطرح: لمصلحة مَن يتمّ تعريض القضاة للخطر في هذه الأحوال الأمنية الاستثنائية، وخصوصاً القضاة الذين تولّوا أو يتولّون اليوم ملفات ذات طابع أمني خطير. فما هي الحكمة من سحب الحماية من المدّعي العام التمييزي السابق سعيد ميرزا الذي كان على تماس مع ملفات حسّاسة أصبحت في عهدة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؟

ومَن يحمي الرئيس الأوّل لمحكمة التمييز الذي باشرَ في محاكمة مُتهمي ملفّ نهر البارد؟ أم أنّ المطلوب هو الضغط لعدم السير في متابعة تلك المحاكمة؟

ومَن يتحمّل مسؤولية كشف قاضي التحقيق الأوّل في بيروت غسان عويدات الذي عُيّن محقّقاً عدليّاً في ملف نهر البارد، وأصدر قراراً اتّهاميّاً فيه في وجه 170 مُتهماً بالإرهاب والتعرّض لأمن الدولة الداخلي؟

ومَن يقف خلف بدعة لا وجود لها في أيّ نظام سياسي في العالم، وهي “تعرية” مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر ومعاونيه بسحب الحماية عنهم وهم يتابعون النظر في ملفات تتعلق بالتفجيرات، كالاعتداءات على اليونيفيل وخطف الأستونيين وتهريب سلاح إلى داخل الأراضي اللبنانية والاعتداء على أمن الدولة الداخلي، كملفّ الوزير السابق ميشال سماحة والتحضير للاغتيالات، والاغتيالات التي وقعت، إضافة إلى ملفات التجسّس والتعامل مع إسرائيل؟

وهل فكّر وزيرا الداخلية والعدل ما يمكن أن يتعرّض له هؤلاء القضاة؟ وهل وضعا نفسيهما مثلاً مكان القاضي نبيل وهبه الذي يتولّى التحقيق في ملفّ اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن الرئيس السابق لشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، هذه الجريمة التي دخلت فيها عناصر مخابراتية محترفة بأسلوب معقّد؟ وهل سيستطيع هذا القاضي أن يتابع تحقيقاته مطمئنّ البال أمنيّاً بعد سحب حراسه الرسميّين؟

وعلى سبيل المثال أيضاً، كيف سيتمكّن قاضي التحقيق العسكري فادي صوان من متابعة تحقيقاته في ملف خطف الأستونيين وملف جريمة عرسال وملاحقة المتوارين عن وجه العدالة في هذا الملف، وهل سيكون في مأمن عندما يقود سيارته أو يركنها وحيداً بعد عودته من مركز عمله؟

وما هي حال هذا القاضي أو ذاك، من قضاة المحكمة العسكرية الذين صارعوا موقوفي “فتح الإسلام” و”جبهة النصرة” في سجن رومية، رغم تلقّيهم تهديدات متكرّرة ومباشرة بالاقتصاص منهم بهدف منعهم من استكمال تحقيقاتهم في السجن المذكور؟

وهل غاب عن بال وزير الداخلية أنّ الأمن المفقود في الشمال عموماً وطرابلس خصوصاً، من شأنه أن يلحق الأذى، لا سمح الله، بالنائب العام الاستئنافي في الشمال القاضي عمر حمزة عندما يصبح مكشوفاً بلا مرافقة ولا حماية؟

وهل إنّ مدّعي عام البقاع فريد كلّاس هو في منأى عن الأحداث الدموية المتكرّرة في عرسال وبعلبك وبريتال، ولا يحتاج إلى حماية في تنقّله من منزله في جبل لبنان يوميّاً إلى البقاع؟

وهل فكّر وزير الداخلية بمسؤولية وبموضوعية قبل سحب مرافقي القاضي سامي صادر الذي بدأ ملاحقة الوزير السابق ميشال سماحة ومدير إدارة المخابرات العامّة في سوريا اللواء علي المملوك، بدلاً من أن تُضاف له حماية خاصة؟

إستهداف المؤسّسة القضائية

إنّ قرار سحب المرافقين من القضاة يؤدّي إلى عدّة مضاعفات أبرزها:

1 – عندما يُستهدف القضاة بهذا الإجراء، يُستهدف العقل الأمني – القضائي في الملفات الحسّاسة، إذ إنّ أيّ ملاحقة عسكرية أو أمنية لمجرمين أو أعضاء تنظيمات إرهابية أو عناصر مجموعات مسلّحة تتم إمّا بإشارة من النائب العام التمييزي أو من مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أو من أحد معاونيه المناوبين.

2 – عندما تكشف وزارة الداخلية القضاة العاملين في ملفات ذات طابع أمني خطير إنّما تجعل منهم طريدة سهلة للإرهابيين والمجرمين المحترفين وكلّ مَن يريد ضرب الجسم القضائي.

3 – عندما يُشاع عن فراغ أمنيّ في حماية القضاة، يعمّ “شعور قوميّ” باستضعاف القضاء، الأمر الذي يزعزع ثقة الناس بتمكّن القضاء من كشف الحقائق. ولعلّ هذا كان السبب الأساسي الذي دفع بالمجتمع الدولي إلى إنشاء محكمة خاصة بلبنان، كونه آنذاك، كان قضاة لبنان مكشوفين أمنيّاً في ظلّ الوصاية السورية.

4 – عندما تُفرّغ وزارة الداخلية الحماية عن القضاة، تتقلّص جرأتهم في التصدّي الشجاع للجريمة المنظّمة، ممّا يؤثّر سلباً على التنسيق بين القضاة وعمل الأجهزة الأمنية. إذ إنّ القاضي لا يعود متحمّساً في استكمال التحقيقات بواسطة الأجهزة الأمنية لعلمه المسبق أنّ ارتدادات كشف المجرمين ستطاله أمنيّاً في شخصه أو عائلته.

هل يتحمّل وزير الداخلية هذه المسؤولية الكبيرة في كشف القضاة؟ وما هو دور وزير العدل في التصدّي لقرار من شأنه تهديد المؤسّسة القضائية وشَلّها؟

لماذا هذه الخفّة في سحب عدد محدود من عناصر الأمن من حماية القضاة، وهل يقف الفلتان والأمن المفقود في كلّ أنحاء البلاد على هؤلاء المرافقين المولجين بحماية القضاة؟

وإذا كان المسؤول عن الأمن عاجزاً عن مواجهة “أمراء الجريمة” ومكافحة الجرائم المتفشّية والخطف والقتل والإرهاب، فهل يعرّض أمراء العدالة عوضاً عن ذلك إلى خطر الخطف والقتل والإرهاب؟

في أيّ بلد يحترم المسؤولون فيه النظام والعدالة، تُرفع الأوسمة على صدور القضاة، ولا تُرفع عناصر الحماية عنهم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل