تستبعد المعلومات لدى الكثير من المراجع اعتذار سلام، لأسباب أكثر من أن تحصى. مهلة الأيام العشرة ستكون مفصلية، وعليها يُبنى المستقبل السياسي للرجل، كما عليها يمكن التعويل للبدء من مكان ما، وسط قرع طبول الحرب. وللمرّة الأولى، يرتبط مسار إنقاذي بقرار من رجل واحد هو تمّام سلام. وبغضّ النظر عن نتائج تقديم هذه التشكيلة الحكومية، وهل ستنال الثقة أم لا، فإنّ مجرّد اتّخاذ الرئيس المكلّف القرار سيعتبر خطوة اولى في الاتجاه المعاكس لمسار الفوضى التي نتجت عن قتال «حزب الله» في سوريا، كما أنّ هذه الخطوة ستضع الجميع أمام مسؤولية من نوع مختلف، خصوصاً الفريق الوسطي الذي يضع العراقيل أمام سلام خوفاً ممّا يمكن أن يقدم عليه «حزب الله».
تضغط قوى «14 آذار» في اتجاه سلام ليقدّم تشكيلته الحكومية، وهي في الوقت نفسه تعرف أن لا الرئيس سعد الحريري ولا الرئيس فؤاد السنيورة ولا أيّ مرشّح آخر قادر أن يتولى المهمّة الآن، ولكن قوى «14 آذار» تدرك أنّ نجاح «حزب الله» في فرملة تشكيلة سلام، يعني بقاء حكومة نجيب ميقاتي، بوزرائها وسياستها الخارجية، وهذا الوضع يناسب الحزب الذي يقاتل في سوريا، تماماً كما لاءمه التمديد للمجلس النيابي، وبناءً على ذلك سيصبح تشكيل الحكومة في كوما الشلل، الشبيه بتعطيل المجلس النيابي، وباحتلال وسط بيروت.
ولا ينفصل حضّ سلام على تشكيل الحكومة، عن التوجّه إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي يلعب دوراً كبيراً في تعرية شرعية تدخُّل «حزب الله» في سوريا. فهذا الدور لا يكتمل بالمواقف السياسية والإعلامية المهمة، وبتظهير موقف رسمي معارض لما يقوم به الحزب، بل يتطلّب الذهاب أبعد من ذلك إلى تسيير عجلة الدولة، واستغلال فرصة هذا التعفّف والتناتش على الوزارات، واستيلاد حكومة سليمان وسلام المصغّرة والمستقلة والمؤهّلة لتقود البلد في مرحلة انتقالية ملوّنة بطعم الحرب والعنف والفوضى.
سيستقبل رئيس الجمهورية وفد نواب «14 آذار» الثلثاء، وسيتسلّم منهم العريضة التي وقّعوها رفضاً لقتال «حزب الله» في سوريا، لكنّ الذي يعادل في الأهمّية قتال الحزب في سوريا سيكون الطلب الى الرئيس، تشكيل حكومة محايدة، وهذا يعني تشجيع سلام وتوقيع مرسوم التشكيل، وعندها فقط يَستطيع الرئيس أن ينطلق بحكومة العهد الأولى، وأن يستعمل قوّة الشرعية، في وجه لا شرعية القوّة التي يهدّد «حزب الله» باستعمالها تحت عنوان: لا تجرّبونا».
في العام 1975 سقطت الدولة الضمانة، وبدأت الجماعات تفتش عن الأمن الذاتي، وهذه الأمثولة لا تزال حاضرة بمآسيها وويلاتها، وإذا كان المواطن العاديّ يدرك أنّ السقف عندما يسقط لا يستثني أحداً، فإنّ مَن هم في موقع المسؤولية يتحمّلون مسؤولية أكبر في كبح هذا المسار من العنف والفوضى الذي يؤسّس للحرب، والأكثر تبسيطاً في هذه المعادلة، تشكيل حكومة الآن، قبل أن يحمل الغد رسائل العام 1975.