لا يريد “حزب الله” أن يتعلّم من أخطائه ومن أخطاء الآخرين على الساحة اللبنانية، فتراه يسير على المسار نفسه الذي لم يوصل غيره إلى محطاتهم المنشودة، ولم يتمكنوا من تحقيق مبتغاهم ومرادهم، فلبنان بلد لا يحكم من قبل طرف دون سواه من مكونات المجتمع الطائفية أو المذهبية، ولا يمكن لأي طرف فيه أن يستقوي على الآخرين لا بسلاحه ولا بشبح هذا السلاح في فرض مشيئته وبرنامجه السياسي. ولا يمكن لأي طرف الاستفراد بقرارات مصيرية من دون تعريض كل البلد ومكوناته لتبعات هذا القرار. لكن “حزب الله” على ما يبدو يعيش “نشوة” ما حققه في السابق، ومصمّم على تدمير “إنجازاته” بيده.
كل ما كان يفعله “حزب الله” بسلاحه غير الشرعي حيناً وشبح هذا السلاح أحياناً أخرى، كان يشي بأن يوماً ما سينقلب السحر على الساحر، وسيصبح “حزب الله” معزولاً ومنبوذاً على أقل تقدير، لكن انغماسه في الحرب السورية كان “القشة التي قصمت ظهر البعير” فعوض النبذ والعزل، أصبح هدفاً لملاحين يطوفون في بحر كبير عربي وإسلامي، والمصيبة أنه لم يصبح هدفاً مستفرداً، بل جرّ معه لبنان بأبنائه جميعاً إلى معركة لم يختاروها، بل قرّر الحزب وأمينه العام عنهم خوضها.
كان العذر الأول لانخراط الحزب في الحرب السورية، حماية المقامات الدينية، ثم أصبح حماية “قرى لبنانية شيعية” في سوريا، لكن الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله قالها جهارة إن سقوط سوريا يعني سقوطه، وعليه اتخذ قراراً لحماية ظهره ثم استتبعه بقرار الاستمرار في المعركة حتى النهاية وحيث ما يستدعي “الواجب” أن يكون، فسقطت معه كل الأعذار والمبررات، وحاول أن يرمي، كعادته، الكرة في ملعب الآخرين، فطوراً يزعم أنه آخر الواصلين إلى المعركة في سوريا، وطوراً يتهم تيار “المستقبل” بأنه يدفن قتلاه سراً في سوريا. لقد أجاب الرئيس سعد الحريري على هذا الاتهام، ولم يكن بحاجة لذلك، فالمثل العامي يقول “الشمس طالعة والناس قاشعة”، لكن على من “تقرأ مزاميرك يا داوود”؟
قرارات مجلس تعاون دول الخليج العربي باستهداف منتسبي “حزب الله” بإقاماتهم وأموالهم، رسالة أولى، وعوض الاتقاء، سارع نصر الله إلى المجاهرة بأن ليس لمنتسبي الحزب أية مصالح في الخليج العربي، ومطالبة الجامعة العربية له بسحب مقاتليه من سوريا فوراً، رسالة أخرى له سارع بالرد عليها من خلال الإعلان عن الاستمرار في حربه العبثية إلى جانب نظام قاتل ضد شعبه. استعلاء وفوقية، ومجاهرة خطابية بدرء الفتنة، وسعي حثيث بالتصرفات إليها، ألا يعي السيد نصر الله انه لم يتجنّب الشر، بل دعاه بصراحة ليأتي إليه؟
عندما حقق “حزب الله” في العام 2000 حلماً كان يراود كل اللبنانيين على مدى 22 عاماً بتحرير أرضه من نير الاحتلال الإسرائيلي، حظي بشعبية عبرت كل طوائف لبنان وأصبح يشكّل “رمزاً” لكل طامح بتحقيق السيادة والاستقلال واسترجاع “الحقوق” المغتصبة. في تلك الفترة كان “ظهر المقاومة” محمياً بهذه الشعبية والمساندة الوطنية الداعمة له، وفي مقدمها جهود الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان سبق أن حقق لـ”المقاومة” شرعيتها المحلية، الإقليمة والدولية من خلال “تفاهم نيسان 1996”. لكن اللبنانيين اعتبروا أن “السلاح” حقّق الغاية منه، وأن على الحزب بعد التحرير أن ينخرط في الدولة اللبنانية ويضع إمرة الحرب والسلم بيد مؤسستها الشرعية وأن الأوان حان لكي يكون حزباً سياسياً داخلياً مثله مثل بقية الأحزاب والقوى السياسية التي التزمت تطبيق وثيقة “الوفاق الوطني” في الطائف، خصوصاً أنه لم يغب عن مجلس النواب والمشاركة في السلطة التشريعية منذ العام 1992.
لكن المفارقة هي أن الحزب انتهج الفوقية والتعالي على باقي اللبنانيين منذ ذلك التاريخ، والمشاكل ما فتئت تلاحقهم مذذاك. وظلّت أزمة سلاحه غير الشرعي مصدر قلق كل اللبنانيين إذ في كل مرة كانت تواجههم أزمة سياسية، كان طيف هذا السلاح ماثلاً في جميع الحلول المطروحة، وتفاقمت الأمور إلى أن حلّ موضوع التمديد لرئيس الجمهورية السابق إميل لحود، بناء على طلب من نظام الوصاية السورية في العام 2004، فعلى الرغم من المعارضة الشعبية والسياسية الكبيرة لهذا التمديد، كان سلاح “حزب الله” جاهزاً لتنفيذ ما يؤتمر به من قبل أولياء الأمر في دمشق وطهران. وانكشف هذا السلاح بما يمثله من مخاطر جدية على العيش المشترك في الأول من تشرين الأول 2004 مع محاولة اغتيال الوزير والنائب مروان حمادة، بعدما بيّنت التحقيقات أن السيارة المفخخة التي استخدمت في هذه الجريمة، إنما جرى تفخيخها في أحد مستودعات الضاحية الجنوبية، المعقل الرئيس للحزب.
وكانت الطامة الكبرى جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005. فبعد توجيه الاتهام السياسي للنظام السوري بالضلوع في هذه الجريمة، وعوضاً عن محاولة امتصاص النقمة الشعبية التي بدأت تكبر ككرة الثلج بين اللبنانيين، جاء يوم الثامن من آذار من العام نفسه السيئ الذكر، ليضع الحزب نفسه وأمينه العام السيد حسن نصر الله في مواجهة نصف اللبنانيين على الأقل، ويقول لسوريا “شكراً”، واضعاً نفسه بتصرف نظام القتل والوصاية للدفاع عن مصالحه وتنفيذ مخططاته ومآربه. غير أن حسابات “حزب الله” لم توافق بيدره في ذلك التاريخ، فبعد أيام ستة بالتمام والكمال، هبّت عاصفة السيادة والاستقلال واجتمع اللبنانيون بجميع أطيافهم للمطالبة بخروج جيش الاحتلال السوري من لبنان، ليحققوا في نيسان 2005 الاستقلال الثاني الحقيقي بعد العام 1943، والتحرير ويوم الجلاء الثاني بعد العام 1945، والثالث بعد 25 أيار 2000.
ولم يفهم “حزب الله” الرسالة، فحاول أن يأخذ الدور الذي كان ينفّذه النظام السوري في قمع اللبنانيين وتطويعهم بالترهيب والترغيب لتنفيذ مطامحه “بيده”، فقرر أنه سيكون رقماً صعباً في الحكومات ولا تّتشكل إلا وفقاً لأهوائه ورغباته، وطبعاً طيف السلاح ماثل لتنفيذ ذلك. وفي العام 2006، وعلى الرغم من أنه أصبح لاعباً فعلياً في الحياة السياسية اللبنانية من خلال مشاركته في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، جرّ البلد غصباً عن كل اللبنانيين لمواجهة العدوان الإسرائيلي الذي استمر 33 يوماً، بقرار اتخذه الأمين العام حصرياً من دون الرجوع إلى الحكومة أو المجلس نيابي على الرغم من وجودها في صلبهما.
وتطول اللائحة مروراً بأحداث 7 أيار المشؤومة التي عوضاً عن الاعتذار عنها من أبناء بيروت، استفزّ الأمين العام الشعور “البيروتي” العام واعتبر أن ذلك اليوم “يوماً مجيداً”، ثم يستفز اللبنانيين إجمالاً باعتباره المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري “قديسين” ولا يسلّمهم إلى العدالة الدولية ولو بعد “300 سنة”، والغيض كان بالانقلاب الشهير الذي نفّذه على حكومة الرئيس سعد الحريري وانكشاف المخططات الأمنية التي كانت موضوعة لاستهدافه في شخصه.
ثمة من يقول إنه لا يمكن لأحد إقناع السيد نصر الله بتغيير نظرته إلى الأمورلأنه مأمور وينفّذ أوامر خارجية، وثمة أصوات عاقلة أخرى في لبنان لا تزال تراهن على “لبنانية” السيد وقدرته على اتخاذ القرارات بمنأى عن الفتاوى التي تأتيه من الخارج. فهل سيقرأ السيد نصر الله قرار الشعب الإيراني بنبذ التطرّف واحتضان الاعتدال باختياره الشيخ حسن روحاني رئيساً، فيتّعظ؟؟
