كتبت فاطمة حوحو في “المستقبل”:
بدا واضحاً خلال الأيام القليلة الماضية الانسجام القائم بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان وقوى 14 آذار نتيجة تلاقي المواقف في موضوع الاعتداءات السورية على الاراضي اللبنانية وتدخل “حزب الله” في حرب الداخل السوري الذي جر لبنان الى الهاوية ويكاد أن يتسبب في سقوط الدولة نهائياً، لولا الدعائم التي يقوم بها رئيس البلاد ومحاولات 14 آذار الحفاظ على ما تبقى من صورة الوطن والعمل وفق الاساليب التي تحفظ الدولة ومؤسساتها وتُبقي لبنان على قيد الحياة.
تشكل المذكرة التي تقدمت بها 14 آذار الى الرئيس سليمان أول من امس وسلمتها الى الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي أمس، بعد ان كان الاخير قد تسلم شكوى حول الاعتداءات السورية على لبنان من طرفي النزاع، محاولة لنزع فتيل الانهيار الذي اشعله “حزب الله” عبر دعوته الى سحب مقاتليه من سوريا ونشر الجيش اللبناني على الحدود وتطبيق سياسة “النأي بالنفس” على الأرض وليس بالخطابات السياسية، وتشكيل حكومة قادرة على الايفاء بالتزامات لبنان الدولية لا سيما القرار 1701.
لقد وجدت هواجس 14 آذار المطروحة في المذكرة، صدى ايجابيا عند الرئيس سليمان الذي كان بدوره قد استشف المخاطر الكبيرة التي اوقع فيها “حزب الله” لبنان، نتيجة ارسال مقاتليه لإسناد النظام، وهو الساعي الى ازالة قلق اللبنانيين ومخاوفهم، عبر استخدام حقه الدستوري ولعب دوره كرئيس للبلاد من أجل اقفال الأبواب المشرعة امام الرياح السورية التي تهب على لبنان والتي شرعها “حزب الله” بعد جعله مناطق الحدود وغيرها مساحات متوترة يتحكم فيها النظام الأسدي، تارة من أجل الدعم العسكري ضد خصومه من المعارضة، وتارة من اجل تفجير الصراعات المذهبية والتي وعد بها بشار الاسد كل دول المنطقة المحيطة.
لكن رغم ذلك، يتساءل الكثيرون عما تستطيع أن تحققه المذكرات، وهل تحمل 14 آذار خطة تحرك لتحقيق ما ورد فيها، وكيف يجري التنسيق مع الرئيس سليمان في هذا الأمر، وماذا تفعل على الارض لإنقاذ لبنان؟.
يقرأ المحلل السياسي الياس الزغبي في مذكرة 14 آذار محاولة للتأسيس لمواجهة فعلية لـ”حزب الله”. فيقول: “هذه المذكرة ليست مجرد نص تذكيري او استيعابي لثماني سنوات مرت، بل فعل تأسيسي للمرحلة المقبلة، بمعنى ان 14 آذار لن تكتفي بعد الآن بعملية تحرير كتابية، بل ستنتقل الى تنفيذ برنامج سياسي يبدأ من تشكيل حكومة تقتضيها المرحلة الراهنة، يستطيع لبنان من خلالها ان يواجه الأسوأ الذي ينتظره”.
وعن اشكالية ادخال “حزب الله” في الحكومة يرى انها “لم تعد ضاغطة بالقدر الذي كانت عليه قبل ثلاثة اشهر، فحزب الله اليوم بات مكشوفاً امام كل المرجعيات، اللبنانية والعربية والدولية، وانخراطه في الحرب السورية بطريقة سافرة وخطيرة يجعل 14 آذار، والقوى السياسية الحية في لبنان بمن فيهم “الوسطيون” تدرك ان جمع الماء والنار لم يعد ممكناً، المسألة ليست اقصاء “حزب الله” من الحكومة، بل تعامل مع الواقع، بحيث لم يعد هناك اي امكانية لأن يكون هذا الحزب جزءاً فاعلاً في السلطة التنفيذية، فقد اتخذ قراره منفرداً خارج كل السلطات الرسمية. لم يأخذ بموقف رئيس الجمهورية او رئيس الحكومة ولا برأي مجلس النواب او اي سلطة في لبنان، وبهذا يكون قد اخرج نفسه من السياق اللبناني ووضع دوره ووظيفته في خدمة المشروع الكبير الذي تقوده ايران في المنطقة”.
مع اتضاح طبيعة المعركة وانكشاف وجه “حزب الله”، صار بإمكان 14 آذار التعامل مع المرحلة بطريقة واضحة، من هنا يؤكد الزغبي “ان الحكومة المقبلة لا يمكن ان تضم حزبيين من “حزب الله”، وقد تضم شخصيات محسوبة عليه من الاصدقاء والمتعاطفين ولن يكون هناك ثلث معطل يقوده هذا الحزب عبر شخصيات حزبية تلتزم القتال في سوريا، وهذا امر لم يعد بالإمكان حصوله”.
ويرى أن رئيس الجمهورية حسم موقفه الدستوري وموقعه، وبات يقود بشكل أو بآخر مهمة بناء الدولة، عبر بناء حكومة لا تكون خاضعة للثلث المعطل، اي مشلولة من داخلها او متناحرة في داخلها. بل بات في موقع اللبناني الدستوري القانوني الحيادي الصحيح مع بلورة الصورة اثر تطور الأحداث ودليل ذلك ذهابه الى حد ارسال مذكرة ضد الاعتداءات السورية الى مجلس الامن الدولي والأمم المتحدة والجامعة العربية.
وعن طرح فريق “التغيير والإصلاح” بعدم قبول الثلث المعطل والدعوة الى التمثل بالحكومة الجديدة حسب التمثيل النيابي، يجد الزغبي بأن “هذا الطرح أسوأ، فهم يريدون أكثر من الثلث المعطل أي أنهم يمثلون 47% ويريدون 47% من الحكومة وهذه بدعة لم تعرفها أي ديموقراطية حديثة أو قديمة”.
لا يختلف إثنان على أن هناك نوعاً من الهوة بين قيادة 14 آذار وجمهورها، نتيجة الأحداث الأخيرة، لكن اليوم هناك محاولة للبحث عن كيفية ردم هذه الهوة وتنشيط العلاقة بين القيادة والقاعدة وإعادة التفاعل بينهما من أجل استنهاض واستنفار الحالة الشعبية لمواكبة خطوات 14 آذار. ويؤكد الزغبي أن “14 آذار ستفعّل حركتها مع القاعدة الشعبية وستلجأ أيضاً الى تفعيل علاقاتها الديبلوماسية عبر التوجه للسفارات الفاعلة في بيروت والتحرك في الخارج مع دول مراكز القرار، بدءاً من جامعة الدولة العربية عن طريق رفع المذكرة. ومتابعتها، لأن النوم على حرير المذكرات لم يعد ممكناً، فيجب التحرك بكل الاتجاهات لتحقيق مضمونها”.
وحول مصير مذكرتي رئيس الجمهورية و14 آذار في المنابر الدولية والعربية يرى الزغبي أن “هناك خطوات يجب أن تعتمد، أولها تفعيل المذكرتين في الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر ممثلي الدول قبل الوصول الى مجلس الأمن الذي يحتاج الى شكوى رسمية من أجل أن يتحرك لدعم الجيش اللبناني في انتشاره على الحدود وفقاً للقرار 1701. وفي حسابات مقبلة لـ14 آذار تطوير المذكرات الى شكوى عبر العمل مع رئيس الجمهورية والجامعة العربية ودول الخليج ومع مواقع القرار الدولية، فما قبل المذكرة غيره ما بعدها، فهي افتتحت مرحلة جديدة وستقترن بحراك سياسي وديبلوماسي لانتشال لبنان من المأزق الخطير الذي وضعه فيه “حزب الله” نتيجه تورطه في الحرب السورية”.
وعما إذا كان “حزب الله” سيرضخ لإرادة نشر الجيش وقوات دولية على الحدود، يرى الزغبي “لا حزب الله ولا النظام السوري ولا إيران سيرضون لأن حساباتهم مختلفة وخططهم مختلفة ولن يسهلوا موضوع انتشار الجيش ومساعدة الأمم المتحدة على الحدود الشرقية والشمالية، فالمخطط كبير ونحن نواجهه من خلال خطوات عقلانية وواقعية، فالقرار 1701 يعطينا سلاحاً في يدنا وهو مراقبة الحدود اللبنانية السورية”.
في هذا الإطار يبدو أن تشكيل الحكومة صار أمراً ملحّاً لمتابعة الخطوات اللازمة، لأن رئيس الجمهورية يحتاج الى العمل مع حكومة تتلاقى مع توجهاته السيادية. ويشدد الزغبي على “ترابط الحلقات، فتشكيل الحكومة خلال الأيام القليلة المقبلة خطوة عملية لتحقيق ما ورد في المذكرة رسمياً”.
وجهت 14 آذار النقد اللاذع لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي على شعار النأي بالنفس وها هي اليوم تدعو الى الالتزام به، وهنا يوضح “النأي بالنفس لا يعني الاحتيال على التورط بالنفس، إذ كان هناك فريق في الحكومة يتورط في الحرب السورية ويدعي النأي بالنفس، النأي بالنفس بمعناه القانوني يعني الحياد عن الأزمة السورية بكل أبعاده الأمنية والسياسية باستثناء الجانب الإنساني الذي لا يمكن النأي عنه لأسباب أخلاقية، موقفنا هو عزل لبنان عن الحرب السورية لحمايته وحماية سيادته وأهله وحتى لا تحدث خروقات وقتل وخطف واعتداءات كما يحصل اليوم، إذ ترخي الأزمة السورية بثقلها على العلاقات بين اللبنانيين، فالحرب لم تعد على الأبواب، بل أصبحت في داخل البيت، من هنا لا مجال للمقارنة بين النأي بالنفس على الطريقة “الميقاتية” وبين الحياد المطلوب أي فك صواعق التفجير في العلاقة مع الأزمة السورية، والطلب الى “حزب الله” الانسحاب من سوريا”.
وقف رئيس الجمهورية موقفاً مميزاً منطلقاً من مسؤوليته الدستورية، إلا أن فريق الثامن من آذار وجّه إليه الانتقادات، ويجد الزغبي أن الأمر يعود “لأن سليمان يقوم بما كان غيره لا يفعله في رئاسة الجمهورية من أجل حماية لبنان، وهو قال إنه إذا كان يريد أن يترك لخلفه شيئاً منه فإنه سيترك له مواقف سيادية وفي ذلك تلميح الى أن من جاء قبله لم يتخذ مثل هذه المواقف”.