تمامًا مثلما قالها أمين عام حزب الله “الحسين ليس فقط للشيعة”! والحسين ليس فقط شخصية تاريخية ولدت من رحم بنت النبي، أو من العترة التي أوصى بها الرسول، إنّما هو رمز لصراع فلسفي بين الخير والشر، بين الحق واغتصاب الحق، بين الحقيقة والفجور.
إنّ ما يجري بحق الشعب السوري، إنّما هو كربلاء جديدة بحق هذا الشعب الذي انتفض على الظلم والقمع ونظام كمّ الأفواه الذي قبع على صدور بنيه طوال أربعة عقود، وحكم بالترغيب والترهيب والمجازر. وحجّة أقبح من ذنب، هي تلك التي تضع “التكفيريين” ومواجهتهم، في واجهة الحجج التي تبرّر الدخول في المستنقع السوري. فليس لهؤلاء من وجود فعلي على الأرض (لا يشكلون أكثر من 10% من الثوار) في المناطق التي تشهد القتال العنيف، إنّما موجودون في المؤسسات التي سيطروا عليها لبيع موجوداتها والاستفادة ماديًّا، أو في مصافي النفط التي يحتكرون بيع نفطها لعديد من الأفرقاء، ومن بينهم النظام الذي يدفع “خوّاتًا” لجبهة النصرة للحصول على النفط. وإن ننسى، فكيف ننسى العلاقة الجيّدة التي جمعت هذه الفرق التكفيرية مع “حزب الله” والنظام الإيراني:
– علي محمد، أحد المساعدين الأساسيين للظواهري، روى لإحدى المحاكم الأميركية في تشرين الأوّل 2000، كيف ساعد في إعداد لقاء بين عماد مغنية وأسامة بن لادن، خلال وجود جماعة القاعدة في السودان. ويضيف علي محمد في شهادته أن “حزب الله” قدّم المساعدة لمقاتلي “القاعدة” و”الجهاد الاسلامي” المصري حول كيفية إعداد المتفجّرات، كما وأمّن لهم كمية من المتفجرات الإيرانية المصدر المصنوعة بشكل صخور غير قابلة للكشف.
– بحسب رشيد محمد رشيد، الذي ترك حركة “الجهاد الإسلامي” المصرية، أرسل أيمن الظواهري مساعده عبد الفتاح فهمي سنة 1993 إلى إيران، للتوافق على آلية تدريب “المجاهدين” في مخيّمات “حزب الله” والحرس الثوري في البقاع اللبناني، للقيام بأعمال إرهابية ضد النظام المصري في وقتها.
– بحسب الأمر التنفيذي رقم 13224 الصادر في 3 آب 2010 عن وزارة الخزانة الأميركية، تم وضع أربع قادة من فيلق القدس التابع للحرس الثوري على لائحة الإرهاب العالمي لضلوعهم في تقديم مساعدات مباشرة لحركة طالبان في أفغانستان، وهم الجنرال حسين موسوي (قائد فيلق الأنصار) والكولونيل حسن مرتضوي وهوشانغ الحداد ومحمد رضى زاهدي.
– بحسب “سيف العدل” (الذي أصبح وفق تقارير كثيرة الأمير الموقت لتنظيم القاعدة بعد مقتل بن لادن، والذي يتّخذ من إيران ملجأً له) كاتب سيرة حياة أبو مصعب الزرقاوي: استطاع الزرقاوي إنشاء مخيّمات تدريب في منطقة هرات في أفغانستان (عاصمة الامبراطورية الصفوية سابقًا، ومنطقة وجود الأفغان الشيعة “الهازارا”) للسهولة التي يستطيع بها رجال “القاعدة” والمجندين الجدد استعمال الأراضي الإيرانية كنقاط عبور.
– في إحدى الرسائل التي صودرت من المنزل الذي قتل فيه بن لادن، رسالة من “جيش الإسلام” الذي ينشط في غزة وسيناء، يرد فيها سؤال من المسؤولين عن هذا التنظيم عن إمكان قبول مساعدات مالية من إيران الشيعية، فكان الجواب: “الدين الاسلامي يسمح بقبول المساعدات المالية من التنظيمات والدول، حتّى الكافرة منها، في سبيل الجهاد”.
– طالبان افتتحت لها مكتبًا في إيران في أيار 2012 في مدينة زاهدان، كما وأرسلت وفدًا إلى طهران أكثر من مرّة وآخرها كان منذ أسابيع للتباحث في الملفات الأمنية مع مسؤولين في الحرس الثوري. كما أن أولاد بن لادن وصهره، موجودون في “بيوت آمنة” في إيران.
– أليس النظام السوري، هو من أخرج شاكر العبسي من سجونه وأرسله ليعوث إرهابًا وفسادًا وخرابًا في لبنان، وكان الوحيد الذي وضع خطوطًا حمرًا أمام القضاء عليه وعلى مجموعته، هو السيد نصرالله؟
هذا غيض من فيض العلاقة التاريخية والمستمرّة بين إيران و”حزب الله” من جهة، و”التكفيريين” من جهة أخرى. وبالتالي، تسقط التبريرات التي ساقها “حزب الله” حول مشاركته في الحرب الدائرة في سوريا ضد المشروع التكفيري الهاجم. فالحقيقة، هي أنّ المصالح الإيرانية في المنطقة وواقع المفاوضات التي تجريها مع الدول الكبرى، هي التي حتّمت إدخال كل المجموعات التي خلقتها إيران سابقًا، في المعركة السورية. وأضحى الشباب الشيعي في كل من لبنان والعراق واليمن، وقودًا في لعبة المصالح الإيرانية.
ما الذي يدفع هؤلاء الشباب ليتحوّلوا مرتزقةً – والكلام هنا استنتاج من فتوى الشيخ صبحي الطفيلي الذي حرّم قتال الشعب السوري واعتبر جهنّم مصير من يسقطون من الرجال في قتال إخوانهم السوريين – في سبيل المشاريع الإيرانية، ولماذا تتحوّل المجتمعات الشيعية في كل المنطقة – والتي لا تتبع بأكثريّتها مرجعية الخامنئي ولا تؤمن بولاية الفقيه – إلى بيدق تحرّكه طهران على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية؟ أليست إيران هي من “أسكتت” أو حاولت إسكات مرجعيات علمية شيعية كبرى، يقلّدها القسم الأكبر من شيعة العالم، أمثال السيد محمد حسين فضل الله، أو السيد علي السيستاني (بقنبلة دمّرت جناحًا من مهجعه وخرج سالمًا بأعجوبة)، أو السيد عبد المجيد الخوئي (باغتياله في 10 نيسان 2003) أو السيد محمد باقر الحكيم (باغتياله في 29 آب 2003)؟
أمّا الحجة الأخرة التي يسوقها أنصار القتال ضد الشعب السوري، هي مواجهة “مشروع الاستكبار العالمي، الصهيوني الأميركي” لضرب المقاومة، وهنا التهريج بحد ذاته! ألم تكن الجمهورية الإسلامية على أعلى درجات التنسيق مع الموساد إبّان الحرب مع العراق، حيث اشترت بسعي إسرائيلي، اسلحة من “الشيطان الأكبر” وفق ما عُرف بفضيحة “إيران غايت” أو “إيران كونترا”، التي وصفها رفسنجاني بكتابته “هذه حياتي” كأكبر إنجاز للديبلوماسية الثورية منذ نشوء الجمهورية الإسلامية؟ ألا ينشط اللوبي الخاص بها في الولايات المتحدة – المجلس الوطني الإيراني الأميركي بقيادة تريتا بارسي – هذه الأيام ليستعطف الإدارة وينظّر لصفقة إيرانية أميركية مفيدة للطرفين؟ أليست الولايات المتّحدة وبإلحاح من إسرائيل، هي الجهة التي تمنع تسليح الثوار السوريين تحت ذات الحجة التي يسوقها “حزب الله” وإيران، ألا وهي وجود التكفيريين؟ أليست مشاركة الحزب بكامل عديده وعدّته في الحرب السورية وعدم خوفه من استغلال إسرائيل لانشغاله في سوريا، للانقضاض عليه، دليلًا على ضوء أخضر إسرائيلي نتيجة التقاء المصالح، ووعد بعدم فتح جبهة مع الحزب في الجنوب اللبناني؟ ألم يكن الإعلام الإسرائيلي أوّل من هلّل – حتّى قبل قناة المنار – لسقوط القصير بيد “حزب الله”؟
الشيعة في لبنان، هم هنا قبل وجود الجمهورية الاسلامية و”حزب الله”، بقرون، ولا يجب السماح لهذا المشروع الآتي من بلاد فارس، بالتفريط بالتاريخ الشيعي الطويل في لبنان والمنطقة، وتحويله هذه المرة إلى مشهدية كربلائية متجدّدة، يكون الشيعة فيها هم “حسينها” وإيران و”حزب الله” “شمرها”!
*شمر بن ذي الجوشن من قبيلة بني كلاب من هوازن اسمه شرحبيل بن قرط الضبابي الكلابي، وكنيته “أبو السابغة”. كان من ضمن من قتل الحسين بن علي في المعتقد الشيعي فهو القاتل الفعلي للحسين بن علي حيث كان قائد الميسرة في جيش عبيد الله بن زياد. وقتل على يد المختار بن أبي عبيد الثقفي.