يؤكد كثيرون أن دولتنا العلية، قد فرطت من رأسها إلى أخمص قدميها، ولم يعد ينقصها إلا القليل لتنضم إلى تعداد الدول الفاشلة بكل ما للفشل من مضمون دستوري وقانوني، سواء بالمفهوم المحلي، أم بالمفهوم الدولي، الدولة فرطت … نعم، مع الأسف الشديد، وباتت «دولة»: فاشلة أو تكاد، نعم، وألف نعم ومع الحسرة الشديدة. كانت الدولة قبل أشهر قليلة تسير بنشاط وحيوية في اتجاه الانفراط ، بحيث بقي لها عن طريق الصدفة، خيط رفيع يصلها بوريد الحياة، إلى أن قفز حزب الله، قفزته العجيبة الغريبة إلى الأرض السورية، غازيا مقاتلا، وقاتلا ومقتولا، ولم تنفعه كل التبريرات التي تقنّع بها، تارة بقناع الدفاع عن شيعة القصير، وتارة بقناع الدفاع عن مقام السيدة زينب، ولكنه اقتنع أخيرا أن كل ذلك لم يقنع الناس ولم يقنع الدول والمحافل الإقليمية والدولية، فبق البحصة التي حاول إخفاءها وتلطيف توظيفها وآثارها، فإذا به مشاركا للنظام السوري قلبا وقالبا، زاعما على لسان رئيسه أنه يدافع عن الأقليات وقد عددها في خطابه الأخير فإذا بها الاقليات الشيعية والمسيحية واليزيدية والعلوية والدرزية والبهائية… وسواها، باسطا سلطته وهيبته عليها، راعيا وحاميا لها من أكثرية سنية شطرها بشطارته الإفتراضية قسمين «متساويين» وأحدهم مع النظام (كذا) وأخرى مع المعارضة! وسمعنا منه قبل أيام كلاما يجافيه الواقع والحقيقة والمنطق، وأقل ما يقال فيه بلغة الرئيس الشهيد رفيق الحريري انه كلام غير دقيق.
فقد زعم أن حزب الله قد تأخر في القفز إلى سوريا، وأن تيار المستقبل والتكفيريين والسلفيين قد سبقوه إليها، وأن الواجب قد دعاه فلبى، وهو واجب جهادي بناء على أوامر إيرانية واضحة وتجلت في ما كاله في نهاية خطابه من مدح للنظام الإيراني ولديمقراطيته، ولعمليته الانتخابية التي لا تشوبها شائبة، ولريادة إيران في هذا الإطار حيث الحرية فيها كاملة، وهو قد نسي أن أقلياتها الأتنية والطائفية والمذهبية تعاني الأمـرّين في بحثها عن حياة كريمة في وطن إيراني أضاع لها وجودها وحريتها وكرامتها، ولعله ترك لها حرية التصويت، وبلع لها بقية الحريات التي تثور الشعوب في هذه الأيام لتحصيلها وللوصول إليها ومنع يد الظلمة والظالمين التي تمنع نور الشمس عنها وعن أبنائها. ولا يخفى على أحد أن المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية يخضعون لعملية تشحيل وإلغاء وانتقاء فإذا بالقادة الإيرانيين الإصلاحيين ممن كان لهم وما زال دورهم في القيادة والريادة إلى درجة القدرة على إحداث تغيير جذري في البنية الإجتماعية والسياسية لإيران، ممنوعون من دخول انتخابات الرئاسة، وما أسهل اطلاق الأسباب واختلاق التهم التي تمكن من هذا المنع، فارضة ترشيحات تنتمي إلى النظام نفسه من دون أن يكون لأي معارض حقيقي، الحق في خوض غمار الانتخابات في بلاده، ولعل التطورات الانتخابية الأخيرة التي أوصلت إلى الرئاسة مرشحا معتدلا ربح الانتخابات بكسح من الأصوات التي يصعب طمسها وتزوير أعدادها نتيجة إجماع المعارضين والتفافهم على افضل خيار أمامهم مؤكدين على أمرين: أولهما أن بركان الشعب الايراني ملتهب الى حدود لم تعد تسمح بطمس إرادته بصورة كلية وقد انصبت إرادته على انتخاب مرشح مقبول بدلا من بقية المرشحين المتطرفين، وثانيهما، أن قدرة هذا الرئيس ذي العلاقة الوثيقة بنظام ولاية الفقيه وسلطة المرشد، هي قدرة محددة ومحدودة نأمل لها ان تتجاوز الخطوط الحمر القائمة حاليا أمامها ومن حولها، لعلها بذلك تخترق بعض المحظورات والممنوعات.
نقول ذلك، ونحن لا نريد أن نتدخل في الشأن الإيراني، ولكن ما ذنبنا وسماحة السيد قد دعانا جميعا الى الامتثال والى تقليد الحال الإيرانية وصولاً في ذلك على الأرجح إلى التفاصيل الدقيقة التي يعيشها النظام ويدعو لها.
وما ذنبنا أيضا والنظام الإيراني الذي دعا السيد إلى تقليده، هو الذي دفع بحزب الله إلى تلك المغامرة السورية الخطرة على لبنان بالطبع، وعلى حزب الله نفسه بالطبع اكثر واكثر.
أما بقية ما ذُكر في الخطاب، بمعظم ما فيه، ينقضه ما ليس فيه، وتجافيه الدقة وتجافيه الحقيقة. لذا ندعه جانبا لنؤكد على ما بدأنا به، وهو أن دولتنا قد فرطت مع الأسـف، وفرطها بدأ بمنهجية مدروسة باتت تطاول مؤسسات الدولة، مؤسسة تلو أخرى، وتجمد معالم الحياة السياسية تجميداً إثر تجميد، حتى لبات الجيش عاجزاً عن حماية مواطن لبناني يحتج على غزوة حزب الله لسوريا أمام السفارة الإيرانية، فيقع أرضا من أثر الرصاص وأثر الضرب حتى الموت ويُترك للنزف والتخبط بآلامه ودمائه حتى الاستشهاد. والغريب العجيب أن نواب حزب الله، كل بدوره، يقلبون الحقائق إلى حد إلصاق تهمة فرط الدولة ومؤسساتها، بقوى 14 آذار وبتيـار المستقبل خاصة… يقولون ذلك كله ورجل لهم في لبنان والأخرى في سوريا، من دون أن يعلمونا حتى الآن بصدق وشفافية: ماذا يفعل مسلحـوهم هناك ولماذا إصرارهم على المشاركة في مواجهة الثورة والثوار السوريين؟.
فرطـت الدولة أو تكاد، نعم، حتى لبات وزير خارجية دولتنا العلية، لا يرد علـى أحد، لا على رئيس الجمهورية ولا على رئيس الحكومة ولا على الشعب اللبناني، فهو «وزير مأمور» يطيع معلمه الوزير المعلم، ومعلمته بثينة شعبان، ولا تلقى طلبات رئيس البلاد منه إلا التمييع والتضييع والإهمال، رغم أن ما طُلب منه لا يتعدى تقديم احتجاج إلى الأمم المتحدة وإلى جامعة الدول العربية على الغزوة الجوية السورية لبلدة عرسال، ولا نستغرب تصرّف الوزير المأمور طالما أن هناك مسؤولين يدافعون عنه بالقول بأنه ليس «مقطوعاً من شجرة»، وبالتالي بوسعه هو أيضا على ضآلة دوره، أن يساهم بقدر ما له من حجم وعزم، في تفتيت ما تبقى من هذه الدولة المنكوبة، وأن يهيئ مع المهيئين الحجارة التي يعبرون بها عن رغبتهم في بناء نظام جديد على أطلالها بغير هذا النظام الذي لنا، وبغير هذه المؤسسات التي أوجدناها، وهي في طريقها اليوم إلى مزيد من التشويه والتخريب والهدم، ولو كان لهؤلاء حجم وعزم أكبر، لوصلت مطالبهم إلى ان يكون النظام الجديد بغير هذا الشعب من بكرة أبيه.
نقول ذلك بغصة شديدة، لأننا نشعر بأن هذا الوطن، هناك من يستهدفه بشراسة وتصميم، وعلى اللبنانيين أن يتحوطوا جيدا لمثل هذا الاستهداف، ولنبدأ بحكومة لا بد وأن تتشكل في أقرب وقت ممكن، وأن تتخذ المواقف السيادية ولو بحدودها المعقولة، حتى لا تزول آخر معالم الدولة، وحتى لا يحكم هذا الوطن … فراغ تلو فراغ تلو فراغ.