“الجمهورية”: لهذه الأسباب يُعيد باسيل تموضعه السياسي

كتب شارل جبّور في صحيفة “الجمهورية”:

المواقف التي أطلقها الوزير جبران باسيل وأظهرت تمايزاً عن «حزب الله» وضعها البعض في إطار لعبة توزيع الأدوار، فيما هي تتصل بمستقبل باسيل السياسي.بدأ جبران باسيل التمهيد للمرحلة التي سيتولّى فيها قيادة “التيار الوطني الحر”، ولكن هذا لا يعني الابتعاد عن عون أو التناقض معه، لأنّ من دونه يفقد المشروعية التي تؤهّله قيادة هذا التيار بعد عمر طويل.

ومن الواضح أنّ جبران الذي التصقت صورته بعون وكان من الصقور في التيّار يعمل على إعادة خلط بعض الأوراق السياسية للأسباب الآتية:

أوّلاً، تبيّن لباسيل أنّ السياسة التي اعتمدها عون بالتحالف مع محور ومعاداة آخر، تمنحه مكاسب وزارية ونيابية، ولكنّها تقطع عليه الطريق إلى تبوُّؤ موقع رئاسة الجمهورية، إلّا في حال تمكّن المحور الذي ينتسب إليه من الحسم لبنانيّاً، الأمر الذي أظهرت السنوات السابقة استحالته، فضلاً عن أنّ الوقائع الممتدة من الثورة السورية إلى انخراط “حزب الله” في القتال ما وراء الحدود، وصولاً إلى التبدّلات البطيئة في المشهد الإيراني، تُظهر أنّ إعادة وضع لبنان تحت الوصاية السورية أو الإيرانية هو من سابع المستحيلات، خصوصاً أنّ الوصاية السورية تمّت بموافقة دولية-عربية، ولا يوجد في الأفق أيّ مجال لإعادة إعطاء لبنان على طبق من ذهب لدمشق وطهران.

ثانياً، يخطئ من يعتقد أنّ باسيل يريد مستقبلاً فكّ تحالفه مع إيران أو “حزب الله” للوصلِ مع السعودية أو “المستقبل”، فهو اتّعظ من تجربة تفاهم 2006 والتمحور في اتّجاه واحد، وبالتالي سيسعى إلى الموازنة بين المحورين والطرفين، ولو كان المحور الإيراني هو المستفيد الأكبر كونه يتمتع بالغطاء المسيحي العوني، إلّا أنّه سيحرص على توثيق العلاقة مع المحور المقابل عبر فكّ الاشتباك والاصطدام معه بعدما لمس أنّ كلفة معاداته باهظة جداً عليه.

ثالثاً، ما ينطبق على العمق العربي والإسلامي ينسحب على البعد الدولي الذي أعاد باسيل ترميم العلاقة معه ولو جزئيّاً، لإعادة فتح أبواب عواصم القرار التي أُقفِلت بوجه التيار نتيجة تحوّل مواقفه إلى نسخة طبق الأصل عن مواقف “حزب الله” بمعاداة الغرب وشيطنته.

رابعاً، ما ينطبق على البعدين العربي والدولي ينسحب على البعد الداخلي-المسيحي حيث تقصّد باسيل بلقاءاته الأربعة التي جمعته مع الدكتور سمير جعجع إعطاء إشارة واضحة بأنّه الأقدر على طيّ صفحة الخلاف مع “القوات اللبنانية” وفتح الباب أمام تفاهمات على “القطعة”.

خامساً، تصحيح العلاقة مع البعدين العربي والدولي الهدف منه انتزاع مشروعية عربية ودولية للدور الذي يرغب بتأديته بين السُنّة والشيعة، وهو يوحي بأنّه الأقدر على هذه المهمّة كونه يتّكئ على وضعية مسيحية تمثيلية وصلبة تؤهّله لعب دور “السد” و”الجسر”، أيّ السد الذي يحول دون الاصطدام بينهما، والجسر الذي يوفر المساحة المشتركة لهما.

سادساً، إنتقاد باسيل اللاذع لـ”حزب الله” الذي ظهر إلى العلن مع الخلاف على قضية المياومين ووصل به الأمر إلى إدانة تغطية الحزب للفساد، استُكمل مع التمديد لمجلس النواب واستخدام مصطلح من العيار الثقيل بأنّ الحزب “طعن” التيّار والديموقراطية، ولم يكتفِ باسيل بهذا القدر، بل أصرّ على تضمين موقفه رسالة إلى السعوديّين بأنّه ضد قتال الحزب في سوريا، وأنّه إذا كان للقصير مبرّراتها الشيعية والحدودية فذهابُه أبعد من ذلك غير مبرّر على الإطلاق.

سابعاً، ردُّ “حزب الله” على باسيل يؤشّر إلى مدى الانزعاج من مواقفه التي وضعها الحزب في خانة الاجتهادات، وأصرّ على تحجيمها بقوله: “إنّ ما يهمّ الحزب هو “موقف عون الذي يعكس موقف التيار”.

ثامناً، يعمل باسيل على تظهير صورة أمام المسيحيّين بأنّه يتمتع بحركية واسعة، وأنه يرفض تعليبه ضمن إطار معيّن، محاولاً القول للمسيحيّين إنّه مستقلّ في خياراته.

فباسيل يستطيع، بالتكافل والتضامن مع عون، أن يرفع عن نفسه مسؤولية الخيارات التي اتّبعها الجنرال مسيحيّاً ووطنيّاً، الأمر الذي يساعده على شقّ طريقه، هذه الطريق التي بدأ تعبيدها وهندسة اتّجاهاتها بعدما أيقن أنّ عامل الوقت لم يعد يعمل لصالح عون، وأنّ مراكب الأخير احترقت مع الداخل ومع الخارجَين العربي والدولي.

قد يكون ما تقدّم صحيحاً نظريّاً، ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل باسيل هو من يحدّد قواعد اللعبة ويرسم حدود الدور الذي يبغيه لنفسه؟ وهل يستطيع الوقوف على الحياد في لحظة المواجهة بين المحورين؟ وهل يمكنه التوفيق بين المتطلّبات المتناقضة لكلّ فريق؟

وكيف سيتعامل مع سلاح “حزب الله”؟ وماذا عن موقف الحزب؟ وهل يقبل بأنصاف الحلول؟ وماذا عن 14 آذار، فهل ستتلقّف هذا التموضع أم ستجدها مناسَبةً للانقضاض على التيّار؟ وهل مسموح لمن فوّت على البلاد الفرصة تلوَ الأخرى التعامل معه على قاعدة “الابن الشاطر”؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل