لن يطول الأمر كثيراً قبل أن تتمدد جغرافية الفتنة وتأخذ شكلها الميداني “الطبيعي” الموازي لشكلها السياسي والاعلامي المكتمل في لغته الى حدّ الكمال!
صاغ المشروع الايراني الأسدي على مدى سنوات مقومات ومتون وخلاصات خطاب الفتنة من ألفه الى يائه. واشتغل أصحابه بدأب وإصرار كبيرين على وضعه بداية تحت أبواب التورية والتمويه من خلال تغليفه بشعارات تعني “الجميع” وتخاطب “الأمة” وأمجادها، ثم دخلوا لاحقاً في باب الوضوح والسفور بعد أن صار ذلك التمويه لعب هواة وإهانة تامة للعقل.. وعقل أصحابه قبل الآخرين.
والغريب أن الترجمة الميدانية تأخرت عن النصّ المكتوب! وطال الأمر الى أن اكتمل المنطق وصار من “الطبيعي” اليوم، أكثر من أي مرحلة في السنوات السبع الماضيات، وضع كل حادث “متعدد الانتماءات” في مكانه الصحيح، والدلالة إليه بالإشارات المناسبة، ووصفه كما هو من دون تزويق باعتباره علامة فتنة أو أحد افرازاتها، أو أحد الطرق المؤدية الى ساحاتها وملاعبها وحقولها الفسيحة.
والغريب أكثر، ان ما يتكشّف يوماً تلوَ آخر، هو أن الديموغرافية اللبنانية مطواعة بقدر الجغرافيا السياسية للبلد: “الفرز” الذي استوجب حروباً كبيرة امتدت لسنوات وأودت بعشرات آلاف الضحايا وتسبّبت بدمار هستيري، كي يكتمل جزئياً على المستوى الطائفي، يبدو على المستوى المذهبي “جاهزاً” في معظم المناطق في حين تبقى العاصمة صعبة على التشريح وسهلة على التجريح.. ومصدر قوتها هو ذاته مصدر ضعفها. بحيث أن التداخل القائم في بنيتها العمرانية والاجتماعية والذي يفترض أن يحصّنها، هو ذاته المعطى الذي يجعل من كل بناية سكنية مشروع جبهة قائمة في ذاتها!.
زرع “حزب الله” بذور ذلك المشروع وسهر على رعايتها وسقايتها ومواكبتها حتى مرحلة النضج والاكتمال.. وجاء وقت الحصاد. وأخطر ما في التشخيص هو افتراضه على عادته وغروره ومكابرته، انه وحده من يحمل المناجل.. ووحده من يقرّر ويفرض، ووحده من يعرف “الطريق الى الجنّة”!.
في المحصّلة العامة لتوظيفه النصّ الديني في السياسة والأمن والعسكر والشّغل التنظيمي والتعبوي، تأتي الفتنة العامة في رأس الكتاب والبيان.. وفي المحصلة العامة لتوظيفه “المقاومة” في خدمة الطغيان والظلم والأهداف السياسية السريعة، بل في كل شاردة وواردة وذاهبة وآتية وطالعة ونازلة، تأتي الكارثة سيدة مختالة لا تُقارن ولا تحتمل المنافسة! وتدفع “الفكرة” الثمن مثل أصحابها وأهلها وأكثر! ثم تبور في الأرض وتيبس، مسلّمات ويقينيّات ومقدّسات وأساسيات وطنية وقومية ودينية كان الظن أنها أكبر من الفناء.. يا حيف!!.