هل بدأت خطة إيران لتحييد “حزب الله” عن الحرب السورية؟

هل بدأت خطة إيران لتحييد “حزب الله” عن الحرب السورية؟
تساؤلات ما بعد القصير

هل صحيح أن “حزب الله” سيكون داعماً ومدرباً وناصحاً ومشرفاً عبر القادة والمستشارين على “زوبعة الشمال” في حلب؟ كما قالت معلومات للإندباندنت البريطانية (06/16)؟! وهل صحيح أن عناصر من “الحزب” سينتشرون على طول الحدود اللبنانية السورية؟ الممتدة من تخوم عرسال شمالاً الى البقاع الغربي جنوباً مروراً بالمصنع؟ وذلك للإبقاء على هذا المنفذ الشرعي الوحيد مفتوحاً مع لبنان، والحفاظ على شرايين الإمداد غير الشرعية؟!!.

زيارة سرّية من طهران الى القصير
تترافق هذه التساؤلات مع تغيرات خطيرة بسبب تدخل حزب الله المباشر في سورية، والتي أكدت تدخلاته لأكثر من عام مضى. و”حزب الله” لم يكن ليعلن ذلك إلا بعد زيارة أمينه العام لولي الفقيه علي خامنئي في طهران لمناقشة تفاصيل التدخل وأخذ البركة، وهذا ما حصل فعلاً قبل حرب القصير المفتوحة. والذي عجّل التدخّل هو احساس المرشد الايراني بخطورة الانهيارات العسكرية التي هددت النظام في مقتله، دمشق. وهذا ما استدعى زيارتين سرّيتين للأمن العام للحزب الى القصير قبل وبعد سقوطها، لشد أزر المقاتلين. وكان من أهداف التدخل فتح منفذ استراتيجي يربط العاصمة السورية بالمتنفس الساحلي معقل رأس النظام. حساسية الوضع هذه عكستها تهنئة الولي الفقيه بالنصر بعد تدمير القصير بمشاركة “حزب الله” وإن بكلفة بشرية عالية نسبياً.

الهمس العالي
أوساط مراقبة لا تستبعد أن يكون ارسال طهران لـ4000 عنصر من الحرس الثوري لتغطية النقص المحتمل جراء تحييد “حزب الله” فرع لبنان وطي صفحة التدخل لما له من تداعيات خطيرة على الوضع اللبناني، ما قد يفلت زمام الأمور من يدي طهران. ولأن الكلفة السياسية وتداعياتها في الداخل اللبناني ارتدت سلباً على جمهور “الحزب” والشيعة تحديداً ولبنان كله!!. بل هناك من يذهب الى أبعد من ذلك فيحكي عن تململات في صفوف “الحزب” على مستوى القاعدة والقيادة معاً. وهذا ما بات مسموعاً في الشارع، وهو ما لم يكن ليحصل قبل حرب القصير. وهذا الهمس العالي وصل بقوة الى رأس الهرم، فبدا الكلام الذي قاله أمين عام “حزب الله” في يوم الجريح الايراني في 13 الجاري في بيروت، واضحاً من خلال توجيه بيئة “الحزب” وجمهوره، كانعكاس واضح لذلك “الهمس العالي”.

العرس الديموقراطي
والقتل العفوي
وما زاد الطين بلّة، هو نتائج “العرس الديموقراطي” في ايران، الذي أوصل الاصلاحي الشيخ حسن روحاني كرئيس سابع لمرحلة ما بعد الثورة (1979). ما يمكن أن يفرض “تكويعة” على المحافظين. وكان ذلك بمثابة مفاجأة صغيرة أربكت “النّصر الالهي” في القصير. ولا تخفي بعض الأوساط أن يكون لوصول روحاني انعكاسات ميدانية قد تفرض تراجعاً عسكرياً تكتيكياً، خصوصاً وأن الأمين العام لحزب الله، وإن أعلن أنه سيكون “حيث يجب”، إلا أنه في نهاية كلمته ربط الموقف بتقييم التقارير الواردة من الميدان. ولم يكن الأمين العام موفقاً بحسب المراقبين في تبرير القتل “العفوي”، للمعارض الشيعي أمام السفارة الايرانية في بيروت ولا لملاحقة وتهجير المعارضين “الذين يعيشون بين ظهرانينا” في الجنوب. وكذلك لم تمر تبريراته بسلام، لرفع راية “يا حسين” الايرانية على احدى منائر القصير السورية، بحجة أن المنارة للشيعة وليس للسُّنة؟!!!.

الخط الأحمر والحظر الجوي
ترافقت هذه التطورات مع رفع الحظر الأميركي عن تسليم السلاح للمعارضة في سوريا لأن النظام السوري تعدّى الخدوط الحمر باستخدامه للسلاح الكيماوي ضد السوريين الذين تجاوز عدد شهدائهم الـ100,000 ويقول مراقبون أن القرار الأميركي كان ينتظر اكتمال العدة والعناصر. فها هي ايران تغطس بقوة وتضع ثقلها المادي والعسكري في المعركة، وتغطّس معها “حزب الله” بما يجعل تراجعه صعباً واستمراره في الحرب كارثة عليه وعلى الشيعة وعلى لبنان معاً. ويمكن لمثل هذا القرار أن يفتح الباب واسعاً أمام منطقة حظر جوية داخل الأراضي السورية في منطقة الجنوب. ولعلّ مقدمات ذلك هو إبقاء مناورات “الأسد المتأهب” الأردنية على صواريخ الباتريوت وطائرات (ف 16) في الميدان بعد انتهاء هذه المناورات لتكون منطقة الحظر هذه الأقرب الى العاصمة دمشق.

مع إشارة العاهل الأردني الى “إجراءات” يمكن اتخاذها إذا بقي العالم ساكتاً عما يجري حول الأردن، ومع قرار الرئيس المصري محمد مرسي (15/6) بطرد السفير السوري وسحب القائم بالأعمال المصري من دمشق وإدانة تدخل “حزب الله” في الشأن السوري، فإن كل هذه المعطيات سيأخذها “حزب الله” بالاعتبار. وكل هذا سيجعل “الحزب” ينظر بعين الترقب والحذر لما يجري من حوله. والمعروف عنه أنه يستشعر الخطر، ويزين خطواته بميزان الربح والخسارة.

تداعيات الغطس بالدم السوري
ويقول العارفون عن خطوات “حزب الله” أنها تدرجت عبر مواقف أمينه العام من نصيحة “الحركات الاسلامية والتكفيرية” بعدم المشاركة في الحرب في سوريا (في العام 2011) الى الطلب من الأطراف اللبنانية الالتزام بذلك، ولكنه “غطس” وحيداً حتى أذنيه في هذه الحرب بعد استخارة ولي الفقيه الشهيرة في ايار الماضي في طهران. وهذا ما جعل قيادة “الحزب” في وضع لا تحسد عليه أمام الرأي العام اللبناني والعربي.
أسباب الإرباك كثيرة، هي الأخرى، على المستوى الداخلي، ويأتي في المقدمة الكلفة البشرية غير المتوقعة لمعركة القصير وارتداداتها على بيئة “الحزب”. اضافة الى الغيبوبة السياسة والأمنية والضائقة الاقتصادية التي لم يسبق أن وصل اليها لبنان في تاريخه بسبب تدخل حزب الله في هذه الحرب. فالمؤسسات الدستورية مشلولة، ورئيس الجمهورية لا يطاع، ووزير الخارجية يتمنّع عن تقديم شكوى ضد اعتداءات النظام السوري على لبنان في مجلس الأمن، ومجلس النواب بين المعطّل والمدّد. وحكومة تصريف الأعمال في غيبوبة، وحكومة التكليف معطلة، ولا سياحة ولا من يسوحون!!! والتدخل في القصير لم يأخذ كل هذه التداعيات في الاعتبار، ولم يتشاور “الحزب” حتى مع حلفائه حين اتخذ قرار “التدخل”، ما جعل بينه وبين “التيار الوطني الحر” مسافة، يحسده عليها حلفاء ساكتون.

الانكشاف أمام “الفوضى الخلاّقة”
إدانة جامعة الدول العربية لتدخل “الحزب” كشفه أكثر. وبعض دول أوروبا وأميركا أدرجه على لائحة: “الارهاب”، الذي يجاهد “الحزب” ضده في القصير. ويبدو أن الضرر سيطال البيئة الشيعية الحاضنة للحزب في دول الخليج كلها. وهذا كله يهون أمام موجات التمذهب والطوافة، التي باتت تهدد المنطقة بكاملها. هذا ما يقوله العراق، وتعانيه دول عربية كثيرة استدعت فتاوى وفتاوى مضادة، في حين بدأت مجازر لتصفية شيعة هنا، في دير الزور، وسنة هناك، في حلب وحماه وإدلب. ألا يصب هذا كله في مصلحة الكيان الصهيوني الاسرائيلي؟ ألا يخدم هذا كله منطق “الفوضى الخلاقة” التي يقول “الحزب” إنه يعمل على محاربتها جهاراً نهاراً؟!!.

والسؤال الأهم: هل هذا التدخل العسكري لحزب الله في القصير ودعمه اللامحدود لنظام دمشق وسفك الدم شمالاً وسفحه أمام السفارة الايرانية في العاصمة، والفلتان الأمني في طرابلس وجرود عكار والهرمل، هل هذا كله يحمي لبنان؟ بل هل هذا يحمي الشيعة فيه؟!! وإذا حماهم، ألا يؤسس ويشرّع لحمايات مذهبية هنا وطائفية هناك؟! هذه الأسئلة بات يطرحها كل مواطن لبناني في بيته ومتجره ومدرسته، ويطرحها كل لبنان في الشارع. فكيف ننقذ “حزب الله” من نفسه ومن ايران؟! وكيف ننقذ لبنان مما هو أعظم تلك هي الأسئلة الكبرى. وكلها تبدأ من محاورة العقول، التي تفكر ببرودة، والقلوب المفتوحة بحب، لكل اللبنانيين بكل فئاتهم وتنوعهم. أليس بهذا، وبهذا فقط، يبدأ إنقاذ “الحزب” واللبنانيين. وخصوصاً الشيعة منهم، لعل لبنان يعبر هذه المرحلة الصعبة بسلام…!!! ويبدو أن مرحلة ما بعد القصير لن تكون على الاطلاق كمرحلة ما قبل القصير.

خبر عاجل