#adsense

منصور وعلي وجهان لـ”خيانة” واحدة

حجم الخط

 

لم يكن يحتاج أزلام النظام السوري في لبنان الى أكثر من يوم واحد لإطلاق حملتهم الهجومية التهديدية على رئيس الجمهورية ميشال سليمان.. فقد كان كلام نائب حزب “البعث” عاصم قانصوه باتهام سليمان بـ”الخيانة العظمى”، إيذاناً لـ”أشقائه” بإطلاق التهديدات والتحديات من كل نوع على أن تكون حدودها وسقفها العالي افتتاحية قانصوه أي “الخيانة العظمى”. وإن كان الأخير، وهو لبناني الأصل، تجرأ على أن يلعب دور القاضي ومحامي الدفاع عن النظام السوري.. فماذا ستكون حدود سقف كلام سفير النظام السوري علي عبدالكريم علي وصديقه وزير الخارجية والمغتربين عدنان منصور؟

فالرجلان، عدا عن تلازمهما في المسار والمصير، يلتزمان منذ بداية ثورة الشعب السوري التهجّم على لبنان والتباكي على أن سوريا هي المعتدى عليها. وإن لم يجتمعا في مكتب منصور، فلأن التنسيق قائم بينهما بالفطرة في كل القضايا اللبنانية والسورية، ولأن “القلوب عند بعضها” فعاطفتهما تصبّ عند بشار الأسد وتنبع منه، ليشكلا ثنائياً جمعه بشار ولا يفرّقه أي إنسان..

يوم واحد مرّ على تصريح منصور بما مفاده بأنه سيزور قصر بعبدا في اليومين المقبلين وبأن العلاقة بينه وبين سليمان ممتازة والتنسيق معه قائم.. كذلك فإن أياماً مرّت منذ ما بعد “سقوط القصير” تقريباً من دون أن يطلق علي مواقفه الممانعة.. لكنّه الوقت المناسب للرجلين المناسبين! بالنسبة لعلي، فقد دقّت ساعة الانتقام من رئيس جمهورية لبنان الذي فتح الحرب على نفسه وعلى لبنان يوم طالب الأسد بتوضيح الاتهامات التي وُجهت الى مسؤولين أمنيين سوريين بالتخطيط لعمليات تفجير في لبنان.. أما منصور فاحتجّ على دعوة مجلس الأمن الى الانعقاد معتبراً أنها مجرّد “مذكرة”، ولا شكّ بأن منصور، الذي حاول مراراً وتكراراً التهرب من الإذعان لسليمان أو للشعب اللبناني، في حيرة من أمره..

وتصاعدت لهجة “ديو” النظام بعد تقديم رئيس الجمهورية شكوى الى جامعة الدول العربية، لتؤكد بأن كل ما يصيب لبنان عبر حدوده الشمالية سببه النظام السوري وحلفائه في القتال. ومع الشكويين، باتت الدولة اللبنانية معارضة لما يقوم له النظام السوري من اعتداءات وخروق، في الوقت الذي لن يكون سهلاً على كل منهما مواجهة النظام السوري وإنقاذه مما سيترتّب عليه بعد التئام المجتمعين العربي والدولي للبحث في الشكوى.

ربّما هذا ما يعتبره علي اعتداء على سوريا.. لأن الأحداث اليومية لا تشير الى أي اعتداء من الجانب اللبناني على الجانب السوري، فلا الأراضي اللبنانية تشهد حرباً وقتل أطفال ونساء، ولا يستلذّ اللبنانيون بقيادة المروحيات ولا بإلقاء الصواريخ.. يردّد علي لازمة “سوريا هي المعتدى عليها وليس لبنان” في كل مقابلاته وقد كرّرها بالأمس وأدخل التعديلات عليها لأن الوضع بعد شكوى سليمان لن يكون كما قبله “ننتظر علاجاً لبنانياً للشكوى المقدمة من الرئيس سليمان ونتمنى أن توضع النقاط على الحروف”.

واضح أن السفير فقد كل إمكانية المواجهة يداً بيد مع منصور، وها هو يرمي الكرة في ملعب اللبنانيين، ليس كل اللبنانيين طبعاً، إنما فقط من كان منهم خبيراً في إشعال الساحة اللبنانية.. إن تصريح علي بمثابة إشارة خضراء أو “كارت بلانش” لحلفائه لمعالجة الأمر، وكأنه يقول: ما بيدنا حيلة، فقد جاء دوركم.. وقد يكمن هذا الدور في الشارع أو على الساحة السياسية، ففي الوقت الحالي، يجد البعض بأن خاصرة لبنان طيّعة ويمكن التحكّم بمفاصل الأحداث فيها لإفراغ المؤسسات أو نزع الشرعية عنها.
علي في لبنان يجرؤ على تهديد رئيس الجمهورية، ولا يخجل من تحدّيه في عقر داره طالما أن “الخيانة العظمى” صادرة من داخل الجسم اللبناني.. لم يخرج منصور من منظومة تحدّي سليمان على الرغم من أنه علّق على اتهام الرئيس بالخيانة قائلاً “ليس بهذا الشكل يتم التعامل مع الرئاسة الأولى”. غير أن خطوات سليمان المفاجئة أفقدت منصور صوابه، فجهد محاولاً إقناع مندوب لبنان في الأمم المتحدة نواف سلام اعتبار شكوى سليمان “مذكرة”، لكن يبدو أن محاولاته لن تفلح، وسيكون أمامه مهام كثيرة مستحيلة ألا أن أكثرها صعوبة واستحالة هي كيفية “تلميع” صورة النظام وصورته تجاه النظام!

وفي ردّ له على سؤال قال منصور “الرئيس سليمان لم يوجه شكوى، وعلينا ألا نخلط بين الرسالة والشكوى. كل ما في الأمر أنها رسالة تتضمن إحداثيات بوقائع حصلت فقط، لا أكثر، وهي بعيدة كل البعد عن الشكوى”. ضربة موفّقة تلك التي يعتمدها الوزير محاولاً الظهور أمام الإعلام بدم بارد وكأن شيئاً لن يتغيّر، في حين أن مهمّته ازدادت عقدها وبات يواجه المجتمعين العربي والدولي.. وفي تصريح الوزير تناقض مع ممارساته، فلو كانت المهمّة التي طلب منه سليمان تأديتها منذ أشهر بهذه البساطة والرتابة لكان نفّذها وما كانت الأمور ستصل الى حدّها، كما فعل حيال طلب الرئيس تقديم شكوى في الخروقات الإسرائيلية.

غاب علي مؤخرا عن قصر بسترس، لكنه اليوم سيضاعف زياراته ويكثّفها لأن التطورات ستضعه في مواجهات عدة على الصعيدين العربي والدولي، لن يسانده فيها رسمياً سوى منصور وكلاهما سيعملان على توزيع الأدوار على وقع تحديات حلفائهما الممانعين للرئيس محتمين بسلاح “حزب الله” في كل من لبنان وسوريا. وإن اعتقدا بأنه بإمكانهما الاحتماء بالدستور، فإن الدستور لا يحمي سوى رئيس الجمهورية الذي التزم به وتسلّح بالمادة 50 منه التي تعطيه حقّ دفاعه عن قسمه.. فترتدّ عليهما “الخيانة” لأن “القانون لا يحمي المغفّلين”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل