قبل ثماني سنوات اغتالت العبوة الناسفة في منطقة وطى المصيطبة مؤسس “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” جورج حاوي.. في طريقه للقاء رفيقه الياس عطاالله تحوّل حاوي إلى جثة هامدة بعد أسبوعين على اغتيال رفيقه سمير قصير.. حفلة الجنون يومها التي بدأت بمحاولة اغتيال النائب مروان حمادة واستمرت باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه ومن بينهم النائب باسل فليحان. جورج حاوي قتل بعد أسبوعين من اتهامه النظام السوري باغتيال قصير، وكذلك بعد مشاركته في “ربيع بيروت”.. حالماً بربيع عربي وصل بعد سنوات.
بالنسبة إلى حاوي القائد، فالحلم ببناء لبنان وتطويره أمر اساسي، ليكون مكانه النهائي ومكان أبنائه وأحفاده كما كل اللبنانيين. هو رفض خوض السياسة من الموقع الطائفي، وبقي بعيداً عن استقطابات المذاهب حتى اللحظة الأخيرة مفضلاً أن يكون في مقدم اللبنانيين في تحرير بلدهم من الاحتلال الإسرائيلي ومن الوصاية السورية.
في حديث صحافي قال مرة إنه “يجب أن يبنى البلد بسواعد جديدة من مثقفين ومن عمال وفلاحين، ومن أصحاب إرادة تستطيع فعلاً أن تلتقي لتبنيه”. هذا هو “أبو أنيس” الذي قاد الحركة اليسارية اللبنانية في ستينيات القرن الماضي بحثاً عن لبنانية متميزة في رؤيتها للواقع العربي المحيط بلبنان. قاوم طويلاً، وساهم بتغيير الواقع اللبناني، نجح في كثير من النقاط الصعبة وفشل في بعضها.
الأزمة الحقيقية التي عاشها جورج حاوي كانت في خروج هذا اليسار من حضوره الوطني إلى القوقعة التي لفظته من حداثة لبنان.. صار مع رفاقه القدامى يبحث بإمكانيات بناء جديد، قادر على تغيير الواقع ورفده بدم شاب وجديد ينهي التكلس الذي أقاله من حياة الناس.
مع جورج حاوي كانت العبوة اسرع من الأحلام، وأسرع من مشاريع حملها للقائه مع رفيقه الياس عطالله، فالتقطته عابراً منطقة وطى المصيطبة باتجاه مقهى “الجندول”.
في حياته كان “أبو أنيس” يلح على السلم الأهلي وإجراء مصالحة وطنية شاملة خارج “الوصاية” التي فرضها النظام السوري وأبقت المتاريس الوهمية بين اللبنانيين. فالحرب تعود وتتكرر إن لم تبنى المصالحة على أسس واضحة، والموت قريب إن لم تبنى دولة ديمقراطية حرة قوة البطش والسلاح فيها فقط في يد الدولة، لا في يد أحزاب وقوى تأتمر بالخارج.
نجح صوت حاوي في اختراق المتاريس، منذ العام 1991 حين التقى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع لتأكيد الخروج من الحرب. عوقب “أبو أنيس” يومها بفرض حصار عليه وعلى الشيوعيين واليساريين، من قبل النظام السوري، ولكنه مضى في خياراته تاركاً العمل الحزبي إلى الانفتاح على كل الناس والطوائف والمناطق.
في جنازة جورج حاوي، حضر اللبنانيون من انتماءاتهم المتنوعة، حملوا جثمانه وبكوا للرحيل السريع. كان دم سمير قصير لم يبرد بعد، فيما صوت الألم كان يقطع الهدوء الذي علا وجهه لحظة معرفته أن العبوة قطّعت أوصاله وجعلته في الثواني الأخيرة للحياة.. كانت كلمته الأخيرة الطلب من مرافقه تابت بزي أن يخرج من السيارة سريعاً متخوفاً من عبوة أخرى.
هو القائد المقاوم، ومؤسس الحركة الوطنية اللبنانية مع الشهيد كمال جنبلاط وأمين عام “منظمة العمل الشيوعي” محسن إبراهيم، “الحركة” التي طالبت في بدايات سبعينيات القرن الماضي بتطوير النظام السياسي اللبناني لكي لا يقع في مأزق الحرب الأهلية.. ولكن الحرب وقت دخلت الاحتلالات من أبوابها الواسعة.
عن تلك المرحلة قال عنه محسن إبراهيم “إن جورج حاوي المجدد الشيوعي ودوره البارز في الحركة الوطنية، ثم دوره في إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، هي حلقات مترابطة الطموح امتد على مساحاتها الفسيحة الزمن التأسيسي الأول والأهم في المسيرة القيادية الغنية. ومن طروحات ذلك الزمن ومن تجاربه ودروسه، نجاحاً وإخفاقاً، انبثقت ثوابت جورج حاوي التي أود أن أشهد اليوم أنها لازمته حتى النفس الأخير، بالرغم من أنه كان الأجرأ بيننا في التجريب، والأكثر إقداماً على التغيير في الأداء، والأسرع في التنقل بين محاولات الانجاز، صغر الانجاز أم كبر، على غير كلل أو فتور”.
في انتفاضة الاستقلال كان في ساحة الحرية، وقف وواجه مع رفاقه المتنوعين من كل لبنان النظام السوري. أراد لهذا البلد أن ينهي التجارب المرة التي عاشها في السابق، ذهب بعيداً في تأييده هذا الحراك، ورأى بأسى تخلي البعض عن لبنانيتهم ليكونوا إلى جانب القاتل.. قتلته المرارة حين لم يستطع اقناع بعضهم باللحظة التاريخية التي ستنهي إلى الأبد كل ما يمكنه أن يولد الحروب الأهلية.. كان كما أحد المشاركين بعامية انطلياس قبل قرن ونصف، يريد بلداً حراً مستقلاً ديموقراطياً.. فيما كان البعض يذهب لشكر النظام السوري على مجازره في لبنان.
هو الواقعي “الدياليتيكي” المحاور والقادر بلغته المتماسكة وصوته الجهوري أن يثبت دائماً منطقه السليم، لم يستطع أن “يجادل” عبوة ناسفة لتبتعد قليلاً عن دربه ودرب الناس. فالرجل الذي لم تستطع المخابرات الإسرائيلية قتله خلال الحرب الأهلية بعبواتها الناسفة ورصاصها “الأخرس”، استطاعت عبوة مهداة من “البعث” السوري أن تنهي حياته.
إنها العبوة التي تشبه عبوات الاغتيال التي نقلها ميشال سماحة في رحلته مع رفيقه اللبناني من مكتب اللواء السوري علي مملوك إلى بيروت.
مات جورج حاوي وعينه على بلده، كان قد قال في السابق “نحن لسنا كانتوناً ولا طائفة ولا مخيماً ولا منطقة ولا مكتباً. نحن جزء من هذا الشعب، فليضربونا وليضربوا هذا الشعب وهو الكفيل برد الصاع صاعين”.