في وقت لا تزال فيه التحقيقات بشأن الصاروخين اللذين استهدفا الضاحية الجنوبية وأطلقا من خراج بلدة عيتات الجبلية مستمرة في سرية تامة، تأتي حادثة انفجار صاروخ أصاب خطوط التوتر العالي الممدودة فوق بلدة بسوس في قضاء عاليه، واكتشاف منصة مجهزة بصاروخ ثانٍ لم ينطلق لعطل تقني في بلدة بلونة الكسروانية، لترخي بظلالها على التحقيق الأول.
وإذا كانت الرسالة التي أريد توجيهها من خلال إطلاق الصاروخين الأولين في اليوم التالي لخطاب الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله هي تأكيد انكشاف “ظهر المقاومة”، فما هي الرسالة التي يُراد توجيهها من خلال صاروخ بسوس وتعطّل الصاروخ الثاني في بلونة؟
من المبكر التكهّن بالوجهة الحقيقية للصاروخ الذي أصاب خطوط التوتر العالي وتسبب بانفجار ضخم أثار دويه الرعب في نفوس أهالي المنطقة الممتدة من بسوس إلى الكحالة والقماطية وعاليه وعيتات التي كانت اختبرت في 26 أيار الماضي إطلاق صاروخين وقعا في محيط كنيسة مار مخايل في منطقة الشياح، غير أن المعطيات الأولية تشير إلى أن انخراط عناصر من لواء الحرس الجمهوري في البحث والتحري عن أدلة في موقع انفجار الصاروخ، لها علاقة باحتمال أن تكون الوجهة المستهدفة هي.. القصر الجمهوري.
بالمقابل، تؤكد أوساط معنية أن الصاروخ ربما كان مجهّزاً لاستهداف بلدة القماطية الشيعية في قضاء عاليه، للتأكيد على الرسالة التي أريد توجيهها من صاروخي عيتات، وهي أن الطائفة الشيعية إجمالاً، والمقاومة على وجه الخصوص مستهدفة، وأن الحل الأمثل كان انخراط “حزب الله” في “حربه الوقائية” ضد أعدائه في سوريا.
ليس خفياً أن المواقف الوطنية التي اتخذها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في الفترة الأخيرة، واعتبرت أبواق فريق “8 آذار” أنها تصل إلى “الخيانة العظمى” التي توجب محاكمته بسببها، قد أزعجت كثيراً هذا الفريق، كما ليس خفياً أن بعض الأبواق الإعلامية لهذا الفريق ذهبت إلى حد توجيه التهديد المباشر إلى الرئيس سليمان بزعمها أنها “لن تتركه يحكم في السنة الأخيرة من ولايته”. لكن الانفلات الأمني وانتشار السلاح غير الشرعي على الأراضي اللبنانية كافة يجعلان من الصعوبة في مكان الوصول إلى حقيقة الرسائل الصاروخية إن من عيتات أو من بلونة.
وكما تمّ تجهيل الفاعل في حادثة الصاروخين اللذين أطلقا من عيتات في التحقيقات الجارية لغاية الآن، علماً أن الاتهامات التي أطلقتها أبواق فريق “8 آذار” نفسها بتحميلها زعيم جبهة “النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط، وأحد المسؤولين السياسيين لديه مسؤولية هذه الحادثة في محاولة لذرّ الرماد في العيون والتعمية على الحقيقة، فليس مستغرباً أن يصار إلى تجهيل الفاعل في صاروخي بلونة أيضاً، أو أن تبدأ الأبواق الإعلامية للفريق عينه برمي الاتهامات يميناً ويساراً واستهداف “المسؤولين” السياسيين في منطقة كسروان وتحميلهم المسؤولية.. للغاية نفسها.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن السلاح غير الشرعي وتفلّته بشكل كبير على الأراضي اللبنانية وفي جميع المناطق من دون استثناء، يقضي على هيبة الدولة ومؤسساتها الأمنية الشرعية أولاً وأخيراً، ويساهم في الوصل إلى الفراغ الأمني الذي يجعل كل طرف قادراً على امتلاك السلاح سواء أكان مسدساً أو صاروخاً، ويجعل منها رسائل يوجهها إلى الفريق المقابل من دون حسيب أو رقيب.
منذ العام 2006 وقضية سلاح “حزب الله” تُثار على طاولة الحوار الوطني وفي النقاشات السياسية التي كانت للأسف تتم عبر وسائل الإعلام بعد أن تراجع الحزب عن التزامه بإعلان بعبدا الذي نص على إبقاء لبنان بمنأى عن الصراعات الإقليمية وتحييده عنها وخصوصاً تحييده عن الثورة السورية. لكن السيد نصرالله راح يوجّه منذ بداية انكشاف تورطه في سوريا، رسائل تشي بأنه مرة يحاول الدفاع عن مواطنين لبنانيين شيعة في قرى لبنانية داخل أراضٍ سورية، ومرة أخرى بحجة الدفاع عن مقامات دينية مقدسة في دمشق، إلى أن اعترف أخيراً بعد انفضاح دوره في معركة مدينة القصير، بأن الهدف الرئيسي لمشاركته في قمع ثورة الشعب السوري هو للدفاع عن النظام ومنع سقوطه، وجاء حديث نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف أمس ليفضح كل ما تذرّع به السيد نصرالله وحتى ليتناقض كلياً مع ما روّج له في آخر إطلالة إعلامية بأنه كان آخر الواصلين إلى الحرب السورية، فأكّد أنه شارك في الحرب بعد وصول الثوار السوريين إلى دمشق واقترابهم من الانتصار بإسقاط النظام.
وعلى الرغم من أن “حزب الله” أدار وجهة سلاحه من وجه العدو الإسرائيلي إلى صدور المواطنين اللبنانيين في العام 2008 وكان ذلك خطأ كبيراً لا تزال نتائجه ماثلة أمام عيون أبناء بيروت والجبل، واستخدام شبح هذا السلاح لفرض شروطه السياسية، إلا أن نقل سلاحه ومسلحيه إلى سوريا، كان خطيئة قاتلة لم يشأ الاعتراف بمخاطرها على الرغم من النصائح والمناشدات والتمنيات الكثيرة التي وجهت إليه.
لقد وجّه الرئيس سليمان رسالة في غاية الوضوح عندما قال إنه “يحمي المقاومة من نفسها”، انطلاقاً من اعتباره المقاومة “ضرورة لحماية لبنان عند الحاجة” ضد الاعتداءات الإسرائيلية، وانطلاقاً من أن انغماسها في القتال إلى جانب نظام قمعي ووحشي يفتك بشعبه ويدمّر بلده، إنما سيؤدي لمضاعفات ليس أقلها جلب أتون النار السورية إلى لبنان وتوريطه في حرب مذهبية ستحرق نارها الأخضر واليابس وتطال اللبنانيين، كل اللبنانيين ولن ينجو أحد من نارها.
لا يمكن تعداد المناشدات التي طالبته بالتراجع عن قراره “المجنون” في الانخراط في الحرب السورية، لكن على من تقرأ “مزاميرك يا داوود”؟ لقد سبق السيف العذل، ودخل لبنان في وحول الحرب التي ليس من لبناني وطني مخلص إلا ويرفضها لأنه ذاق ويلاتها في السابق، وإن اقتصرت “المناوشات” حالياً على قتال في جبهة من هنا، أو خطف وخطف مضاد في منطقة هناك، أو صاروخ ينفجر هنا وصاروخ لا ينطلق من هناك.
ومن الطبيعي أن يكون أول الوطنيين الرافضين لهذه الحرب رئيس الجمهورية لأنه رأس الدولة وحامي الدستور ومسؤول عن سلامة مواطنيه. فإذا كانت مواقفه السيادية لا تعجب فريقاً بعينه، فلكل موقف سيادي ثمن، والرئيس سليمان قائد سابق للجيش ومعتاد على خوض المعارك وحساب الخسائر والأرباح. ومن الطبيعي أن تكون الرسالة الصاروخية قد وصلت إلى مسامعه، لكنها لن تثنيه عن مواقفه ولن تدفعه لمراجعتها، فالدفاع عن الوطن واجبه، والدفاع عن المقاومة لحمايتها من نفسها هدفه، وسيسعى لتحقيقهما حتى آخر دقيقة من ولايته، وبعد بعد ولايته.
في قاموس النداءات الدولية تُستخدم كلمة “ماي داي” كنداء للاستغاثة في حال وجود خطر داهم، ولبنان بلسان كل أبنائه الخلّص أطلق هذا النداء. الخطر الداهم جراء الأحداث التي تشهدها المنطقة ككل، وسوريا على وجه الخصوص، تنذر باشتعال لبنان من شماله إلى جنوبه ومن ساحله إلى بقاعه، وما الرسائل الصاروخية إلا أسرع تعبير عن هذا الخطر. فهل من يسمع؟