|
|
||||||
خطورة الرسالة الصاروخية التي أرسلت أمس من منطقة بلونة في كسروان، سواء الصاروخ الذي انفجر في منطقة الكحالة أو ذاك الذي ضبط في قاعدته بعد عطل حال دون انطلاقه، لم تقتصر على البعد الأمني للعملية، ولا على الهدف الذي يتوخاه الفاعلون أياً كانت هويتهم وانتماؤهم، ولا على نوع الصواريخ ومداها وقوتها التدميرية، إنما تكمن الخطورة في البعد المكاني، واختيار منطقة هادئة وآمنة بعيدة جغرافياً وسياسياً عن المناطق الساخنة والمضطربة، لتكون موئلاً لقواعد الصواريخ اللقيطة، وإن تعددت رؤى الأطراف السياسية حول أبوّتها، وسعي كلّ فريق الى تصويب مسارها في الاتجاه الذي يخدم رأيه السياسي في هذه المرحلة.
لا شكّ في أن النتائج التي قد تترتب على عملية كهذه لو قيّض لها النجاح ستكون كبيرة وخطيرة جداً، أياً كان الهدف الذي صوّبت نحوه، أكانت منطقة بعبدا وما لها من دلالات سياسية كبيرة، أو الضاحية الجنوبية أو أي منطقة في جبل لبنان، أو حتى العاصمة بيروت، لكن أن ينتقي الجناة كسروان التي تعتبر المنطقة الأكثر أمناً من أي منطقة لبنانية أخرى، فالأمر له مغزى واحد مؤداه أن أي بقعة لم تعد بمنأى عن الاضطراب الأمني أو بمعزل عن مخطط التفجير الذي يتهدد الوطن كلّه وليس منطقة دون أخرى أو بيئة دون سواها.
هذا التطور الأمني الكبير يتطلب قراءة سياسية وأمنية مختلفة عن القراءات القائمة حالياً، مفادها أن الفلتان الأمني المتنقل، وفق الإيقاع الذي تمسك به قوى الأمر الواقع، أو القوى المسلّحة في لبنان التي تفرض أجندتها داخل لبنان وفي سوريا وحتى في دول المنطقة، قابل لأن ينتقل بالحوادث المفتعلة والمضبوطة، الى الفلتان العام والشامل ويجعلها أخطر من السيناريوات المتوقعة أو تلك المرسومة، ويصبح بالتالي من الصعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً ضبطه أو لجمه، أو أقلّه استيعابه. وإذا كانت حوادث صيدا وقبلها طرابلس وما تبعها في البقاع من حوادث قتل بالمفرّق أياً كان مرتكبوها، وامتداداً مسألة قطع الطرق وإطلاق الصواريخ على بعض المناطق الحدودية في الهرمل وبعلبك، كلّها تتحرك وفق رغبة أطراف معروفة، بغضّ النظر عن اختلال موازين القوى في ما بينها، غير أن ظاهرة الصواريخ المجهولة التي بدأت تغزو مناطق جبل لبنان، أدخلت اليوم مفهوماً جديداً على الصراع القائم في لبنان، يجعل من كل الأطراف المتنازعة ضحية له ومهددة منه. وإذا كانت الأطراف غير المسلحة لا حول لها ولا قوة، ماضية في الرهان على الدولة ودورها في حمايتها رغم ضعفها ووهنها، فإن المعادلة الصاروخية تضع “حزب الله” ومناطقه الآمنة كما كلّ لبنان، أمام خيارات جديدة لم يعتدها من قبل.
أمام استشراء هذه الظاهرة، فإن الحزب المدجج بالسلاح، القادر على حماية مناطقه وبيئته من أي اختراق خارجي حتى الآن، يصبح عاجزاً أمام هذه الحالة الجديدة، وربما يظهر لاحقاً عجزه عن ضبطها ووضع حدٍّ لها لأسباب عدّة أهمها: أولاً, إن منفذي هذه العمليات برهنوا قدرتهم على التسلل الى مناطق جغرافية بعيدة عن الرقابة الأمنية والعسكرية. ثانياً، قدرتهم على اختيار نوعية الصواريخ وتقديرهم لخط النار الذي يفصل بين قواعد صواريخهم وأهدافهم المختارة. ثالثاً، قدرتهم على انتقاء الأهداف ذات الرمزية السياسية، التي تكون أضرارها كبيرة سياسياً وأمنياً ومعنوياً، بغض النظر عن أن كل اللبنانيين هم متضررون منها.
هذا الواقع يستدعي قراءة متأنية من “حزب الله” وحلفائه، وإدراكاً لمسألة أساسية وهي أن اللعبة باتت اليوم أكبر من الجميع وتهدد الجميع، بمعنى أن المضي في استضعاف الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية وتخطيها وتجاهل دورها والاستقواء عليها، لا يجعل من الطرف الأعزل وحده المستضعف، إنما يحوّل بيئة “حزب الله” وأهله وناسه الى مستضعفين وأهداف في جولات عنف لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لا بل إن هذه السياسة ترفع من منسوب النقمة داخل الفئات الشعبية والمناطق الحاضنة له، وبالتالي على “حزب الله” أن يقتنع ولو لمرة واحدة بأن حروبه المتنقلة داخل لبنان، وتجاهل خطورة حربه المدمرة في سوريا، وتهديداته المتواصلة للدول العربية، لن تبقي لبنان أمام محاذير حادث من هنا، وآخر من هناك، إنما ستفتح على البلد أبواب الجحيم.