#adsense

روحاني المكتسح هل ينتظره مصير خاتمي؟

حجم الخط

 

روحاني انتُخب رئيساً لإيران في الدورة الأولى أمام عدة مرشحين، (أو ما هو تبقى من المرشحين بعد الغربال الذي صفّى نحو مئة منهم لعدم “أهليتهم”). المسألة تبدأ بالغربال. من يُنقّي القمح من الزؤان. ومن :هم” الزؤان. ومن هم القمح الصالح؟ إنها قضية ديموقراطية! أسقط رفسنجاني من اللائحة البيضاء إلى السوداء. ومثله مشائي لارتباطه بالرئيس السابق أحمدي نجاد، الذي تحول من “رمز” تحوم حوله “علامات المهدي” إلى “خصم تكال له كل الاتهامات، والسبب: خلافه مع الولي الفقيه والمرشد الأعلى علي خامنئي. فثقوب الغربال تكبر او تتقلص بحسب أصحاب الإرادة العليا. ونتذكر انه حتى روحاني كاد يُشطب ترشيحه حتى قبيل فتح الصناديق. كادت “الأجهزة” المخابراتية تطاوله… لولا “تدخل” المرشد، ويروى ان هذا الأخير حال دون “تزوير” النتائج، كما حدث مع كروبي وموسوي، الذي تسبب باندلاع الثورة الخضراء أثر ذلك… وكان ما كان مما لست أذكره”! وحتى اعلان وزير الداخلية النتائج ليلَ التصويت، كان الخوف يتملك الناخبين، من أن يُلغى الانتخاب أو يؤجل… أو تُغَيِّر نتائجه. لكن العاصفة الشعبية التي أضاءت الشوارع، والزخم الذي دفع الملايين الى التخلي عن العزوف عن الانتخاب، والنزول كتسونامي… وصبّ الأصوات بكثير من الأمل وكذلك بكثير من القلق، حسمت الأمر. وقَلَبتْ كل التكهنات، التي توقعت دورة ثانية محتمة، يسحب فيها المرشد، المرشحين المحافظين لصالح واحد والأرجح رئيس بلدية طهران… وتتوحد الأصوات… ضد روحاني… ويسقط. هذه هي “المعجزة” الشعبية التي تتجاوز كل الاستطلاعات والأرقام والحسابات. صعقت النتائج الجميع.. وتفجرت الجموع في الشوارع والمدن والدساكر تحتفل بهذه الفوز “المبين”.

ونتذكر هنا الانتخابات التي فاز بها الرئيس خاتمي، أحد كبار العلماء والمثقفين، والمنفتحين والفقهاء والاصلاحيين. نتذكر هذا الوجه اللامع، عندما حملته ملايين الناخبين إلى سدة الرئاسة. ثم نتذكر كيف حُوصِر، وحُورِب وانهالت عليه الاتهامات ومن قاموس خشبي تخويني وتكفيري معروف: عميل للأميركيين وللغرب… حتى كاد يدرج بين الكُفّار وأعداء الاسلام وإيران. أكثر: حاول “المحافظون” و”الرجعيون” مدعومين من المرشد الأعلى، ومن الحرس الثوري والباسيج والمخابرات وخلايا من المثقفين الفاسدين والانتهازيين، الانقضاض على كل انجاز محتمل لخاتمي. أكثر: اراد هؤلاء أن يقولوا لمن انتخبوا خاتمي، إنّ ارادة الجمهور لا تكفي وحدها. ليحكم رئيس منتخب من الشعب، أيا كانت شعبيته. فكأنما كان “المنطق” “العُلوي” يوحي ويصرح ان المرشد هو الذي ينتخب الشعب وليس الشعب من ينتخب الحاكم. كُبّل خاتمي، وواكبت هذه المؤامرات عمليات قمع لم يسبق لها مثيل، مما أحدث نوعاً من الاحباط عند الجموع الإصلاحية والتغييرية والمدنية. لكن مع هذا بقيت الارادات نضرة وحية حتى نهاية ولاية خاتمي وترشح عدد من الإصلاحيين الكبار من مؤسسي الجمهورية الإسلامية ككروبي وموسوي… ضد مرشح المرشد ما غيرو أحمدي نجاد. هنا بالذات كأنما بدأ منعطف اشارة تململ وتحرك عندما زُورّت النتائج وعَين المرشد نجاد رئيساً… ثم اندلعت الثورة الخضراء الثورة الشعبية في وجه الطغيان، لتطاول دور الولي الفقيه نفسه وتشكك بشرعيته… قُمعت الثورة ورموزها ووضع كل من موسوي وكروبي في الإقامة الجبرية، وامتلأت سجون الملالي بالمناضلين… وظنّ كثيرون ان “شُعلة” الانتقاضة خَبَتْ. وان شجرة الثورة الخضراء يبست. هكذا ظنوا وهكذا بدأ انكفاء “براني” لملايين المقهورين… جُدّد لنجاد. ثم وقع الخلاف مع المرشد. ثم جرت الانتخابات الأخيرة وتهاوت كل الظنون: الثورة كانت تحت رماد إيران. في جوف ينابيعها. في هوائها في جذورها في نوافذها، في أرصفتها. في جامعاتها. انفجرت من كل جهاتها: وهاهو روحاني، والمدعوم من الاصلاحيين (رفسنجاني، خاتمي، موسوي، كروبي…) يُخرج، ما كان يكمن في النفوس، وما يُقمع، وما يُمنع، وما يُحصر… مَنْ قال روح الانتفاض يندثر، أو يجف، أو يُدفن. لا شيء! من كل ذلك، لأن الطغاة عند يحسبون انهم شيّأوا الناس ووأدوا فيهم شعلة المقاومة والرفض وصرخات “لا” يخطئون في حساباتهم. فالناس لا تُشيّأ. والأفكار والحقائق الكبرى لا تموت. هذا الدرس العظيم سبق “الثورة الخضراء” عندما افتتحت ثورة الأرز الربيع العربي، وحققت المعجزة الشعبية السلمية، وغيرت الصورة وهزمت الوصايتين الإيرانية والسورية؛ ثم عمّق الربيع العربي الأمثولة عندما خلع الثوارُ طغاة طاعنين في طغيانهم ومتجذرين في استبدادهم من بن علي في تونس، ومبارك في مصر، والقذافي في ليبيا، وعلي صالح في اليمن…. ثم النظام السوري الأكثر دموية وفساداً وتملكاً… اسقط الربيع العربي الكيانات العائلية (“الثورية”!) التي حكمت بالفساد والمخابرات والقمع والحديد والنار والمجازر ونهبت كل خيرات البلد.

وهنا بالذات يمكن تعيين “الحدود التي تربط الثورة الخضراء في إيران… بالربيع العربي. فالحدود الجغرافية والإثنية والأنظمة السياسية والفوارق الاجتماعية تزول بين الشعوب التي تختار الحرية: الحرية هي الهواء عابرة القارات والأزمنة والمسافات فكأن هذه الثورة ومِنْ غَرفِها ارادتَها من ترابها، وجِبِلّتها وهمومها واحلامها، ومن مجازات الربيع العربي ها هي تستعيد وتسترجع أنفاسها وتحمل أوراقها باسم روحاني وتعصف فوق صناديق الاقتراع. كان هناك من يُبشر “على امتداد أزمنة ان المعجزة يصنعها” القادة” و”الجنرالات” و”المُصطَفون” و”النخب الحاكمة”. لكن بدا ان المعجزة لا تصنعها سوى الجماهير. انها تأتي احياناً من حيث لا ننتظرها (أو ينتظرها المثقفون المشغولون منذ أربعة عقود بأنفسهم، أو بارتباطهم بالطغاة، أو بمشاغل الفقه أو بتكديس الأموال، والمفاهيميات المجردة وجنس الملائكة غافلين عن التفاعلات الاجتماعية وواقعها والقمع والفساد! ولهذا فالمثقفون كانوا آخر العارفين!).

وإذا كان يرى البعض ان ظاهرة روحاني تشبه إلى حد كبير ظاهرة خاتمي فان الأسئلة التي تتجاوز “الفرحة العارمة” و”الشعور بالنصر” إلى ما ينتظر روحاني، سيسعى من يهيمنون على قواعد الدولة ومفاصل النظام، من باسيج وحرس ثوري وقطاعات فقهية أو دينية ظلامية، وباشارة من صاحب الاشارات “الإلهية” أي خامنئي إلى تسفيه هذا الانتصار، أو تقزيمه، أو حتى تعطيله لكي يقولوا للناس ان من يقرر ليس أنتم. ولا مشيئاتكم ولا أحلامكم. ولا صنايق الاقتراع. ولا حتى النتائج (النزيهة) وانما القرار البعيد عنكم. فأنتم على الأرض والإرادة العليا، العظمى ذات القداسة، وذات المرجعيات الأولى والأخيرة في السماء عند المرشد. فلا تتعبوا ولا تختلقوا الأخيلة والتصورات واليوتوبيات. هاكم انتخبتم روحاني، ولن يكون وضعه بأفضل من خاتمي صاحب “التسونامي” الشعبي الأول. فهو رئيس يُستشار فحسب ويقترح امام “السميع البصير” ولا شيء اكثر من ذلك. ويقولون للثوار والاصلاحيين: ربما “نتعامل” مع الرئيس روحاني الذي انتخبتموه بهذه الحماسة الفاقعة، وفي هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها إيران، من حصار اقتصادي، وعقوبات دولية وكأنه واجهة “اعتدال” لمّاعة، ناعمة، براقة، امام العالم، لتعديل الصورة الرهيبة التي اخذها العالم عن هذا النظام وجنونه “الإمبراطوري” وهواجسه الارهابية والمذهبية وأمراضه التوسعية وحقيقة “هلاله” الذي لا تختلف عن “الهلال” أو النجمة الداوودية! إذاً قناع! روحاني مجرد قناع تجميلي، نركّبه هنا أو هناك، او حيث شئنا، أي ان تسهيل الانتخابات (مع محاذيرها) لم تكن سوى خطوة براغماتية وخصوصاً بعد النتائج لاستيعابها (ونحن عباقرة البراغماتية والبيع والشراء والمقايضة). بمعنى آخر، يخشى كثيرون من مؤيدي هذه “الانتقاضة” الانتخابية، ان تُحوّل إلى مجرد طفرة. مجرد حالة عابرة. وأن يُحوّل الرئيس روحاني كسابقه خاتمي إلى شاهد. أو إلى متفرج. أو إلى “شيء” مُستوعب. فيكون رئيساً بلا رئاسة. وتكون الرئاسة بلا رئيس. لأن من يتخوفون يعرفون أن خامنئي (دام ظله الشريف) وبتركيبته “الفقهية” (كقناع)، وسلطته المطلقة، ومرجعيته السامية، لا يمكن ان يقبل من يشاركه في القرارات الكبرى، لا الرئيس ولا البرلمان ولا الشعب. (فالشعب أدى واجبه في الانتخاب وليرجع إلى قواعد سالماً، قانعاً، منتظراً، ساكناً…). فهل يبقى هناك هامش محدود لروحاني للأمور اليومية، أو للقرارات الاجتماعية.. فيكون بذلك أقل من رئيس بلدية في دسكرة نائية. وعندما نعرف ان اكثرية الشعب الإيراني عادت لا تؤيد حتى شرعية “الفقيه” الحاكمية، وانها لا توالي هذه المشاريع التوسعية التي تهدر من أجلها أموال الناس وطاقاتهم. ومستقبلهم (نتذكر جنون القذافي ايضاً بتصدير عبقريته في الكتاب الأخضر!)، وانها تالياً، ترى في حزب الله (اللبناني)! مصاصاً لثرواتها، ولدمائها، وسارق النعمة واللقمة من أفواه فقرائها، فان كل ذلك يطرح الأسئلة: هل ستكتفي هذه الجماهير بنتائج الانتخابات وتسلّم كل شيء لارادة خامنئي، بل وهل سيتمكن روحاني من تحديد دور حزب الله وسلاحه في لبنان وسوريا.. بل وهل سيتصدى للتدخل الإيراني الداعم للنظام البعثي والداعم للحوثيين والمعارضة البحرينية… وصولاً إلى العراق؟ صحيح ان روحاني هو جزء من نظام الجمهورية الاسلامية (مثل كروبي، وموسوي وخاتمي ورفسنجاني والراحل الكبير منتظري) لكن الانتماء إلى الجمهورية شيء والانتماء “الخالص” إلى ولاية الفقيه شيء آخر. وكذلك فالانتماء إلى النظام شيء، والانتماء إلى ارادة الشعب التغييرية شيء آخر. وعندما نرى ان حزب الله بادر “سريعاً” بل هُرِع “كالبرق” وهنأ روحاني (كما هنأ خاتمي ولم يعلق له صورة واحدة في جماهيريته العظمى في الضواحي) فلأن عنده اقتناعاً خاصاً ان التهنئة بروتوكولية تختلف عن التأييد والمباركة تختلف عن “الدعم” بل لأنه يعرف ان قرار تسليمه وامداده بـ 500 مليون دولار سنوياً، وتزويده خبراء ومخابرات من الباسيج والحرس الثوري ليست كما معظم القضايا الخارجية لا في يد البرلمان ولا الرئاسة بل في خزائن الولي الققيه. فهل يعني ذلك ان الحزب مطمئن كلياً؟ كلا! فالظروف التي جاء فيها خاتمي، تختلف عن الظروف الراهنة وان الربيع العربي يُحاصر “الهلال” الإيراني محاصرته “الهلال الصهيوني” والسياسة النجادية التي دعمها الفقيه، عادت بالكوارث على ايران وبالعزلة عن محيطها العربي والعالمي والاسلامي. وان تساقط الطغاة.. يمكن أن يصل إلى سلطة ولاية الفقيه التي لم تعد تقنع اكثرية الشعب، وأكثرية الشعوب المحيطة بإيران.

نقول هذا، ونحن نعلم ان مطالبة روحاني بتحقيق ما يعتمل داخل أكثرية الشعب الإيراني الذي وكأنه قال بعد اعلان النتائج الرسمية بفوز روحاني بدايات سقوط نظام ولاية الفقيه. هذا ما قاله. لأن النتيجة كيفما فُسرت تبين ان الشعب الإيراني استرجع حيويته ضمن الأصول الدستورية والشرعية. فهل المطلوب منه ان يكتفي بذلك، ويترك روحاني وحده بين كل تلك القوى الرجعية التي تضع سلطتها كشرط وجودي لها ولمغامراتها التوسعية التافهة والعبثية؛ نقول مع نتائج الانتخابات المعجزة أن استمرار سقوط حزب الله وسلاحه في لبنان وسوريا… سيتعمق وان دوره سيتقلص أياً كان شأن الولي الفقيه. لأن هذا الحزب وضع نفسه وضمن مخطط النظام على حافة الجحيم في القصير وحلب وحمص.. ودمشق. (نَسيَ بتوع الحزب شعار “الدفاع عن مقام السيدة زينب!) ولهذا فهناك تقاطع بين ارادات الشعبين الإيراني واللبناني والعربي. ونظن انها المرة الأولى التي تتقاطع وبهذه الظواهر الشعبية مطامح الشعب الإيراني التغييرية ومصالح الربيع العربي: كأن المعركة واحدة بين شعبين مختلفين: فحزب الله بات يشكل عبئاً على محيطه وبيئته وعلى لبنان وعلى العرب، وكذلك نظام ولاية الفقيه الذي بات كابوساً وثقلاً على ناسه. فلا مرشد الثورة في ايران بات “مقدساً” او حتى مقبولاً… ولا وكيل المرشد في لبنان يتمتع بأحسن أحواله. ذلك ان زمن المرشدين “الأنبياء” و”الطغاة” يبدو انه ولىّ سريعاً في تونس ومصر وليبيا واليمن.. وبطيئاً في سوريا!

لكن أيا كانت سرعته، فلا بد من “صنعا وان طال السفر..” لا بد من سقوط هؤلاء وان طالت الطريق.. الدموية!
فيا روحاني قد ينتظرك ما انتظر خاتمي… لكن ظروفك أفضل، لأن الجمهور الإيراني خرج هذه المرة ولن يعود إلى منازله حتى يحقق أحلامه!
فأنت لست وحدك.. هذه المرة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل