الصاروخان الجديدان، وأحدهما اقترب من القصر الجمهوري، يأتيان بعد سقوط صاروخين على تخوم مربع “حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت. كأن في الامر مخططاً وليس حادثا عابرا يشبه الى حد بعيد ظاهرة العبوات التي اجتاحت لبنان بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005. فهل ظاهرة الصواريخ اليوم هي بمثابة الطلقات المدفعية الـ 21 التي تطلق تقليديا تحية وداع؟ ربما يكون الامر كذلك، لكن الوداع اذا كان لأحد فسيكون لـ”حزب الله” الذي يمثل آخر ظواهر الشرق الاوسط القديم تقريبا باستثناء اسرائيل. فهذا الشرق تدرّج من ديكتاتورية الانظمة التي اوصلتها الانقلابات العسكرية الى ديكتاتورية رجال الدين المتمثلة بايران. وعندما أعلن الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في 25 أيار الماضي مشاركة حزبه في حرب سوريا كان يعلن فعليا نهاية النظام السوري آخر الديكتاتوريات العربية التي أينعت في منتصف القرن الماضي وانتقال الامر الى ديكتاتورية ولي الفقيه الايراني. لذا، على العالم الذي اعتاد طويلا ان يسأل حاكم دمشق عما يجب القيام به في لبنان مثلا، صار عليه من الان فصاعدا ان يراجع حاكم طهران. ولذلك لم يأبه نصرالله لتهديد دول الخليج بمعاقبة انصاره الذي يعملون في تلك الدول لأن الاهم عنده السيطرة على سوريا اذا أمكن بعدما أمكنه السيطرة على لبنان الى حد بعيد. من هنا قد يكون النائب ميشال عون قد بدأ يشعر بعواقب تحالفه مع “حزب الله” بعدما بلغته مخاوف انصاره في الخليج من أخذهم بجريرة الحزب. وربما يفسر هذا بعض مواقف الوزير جبران باسيل الاخيرة.
هذا الكلام لا يعني ان طريق نصرالله مفروشة بغار الانتصارات. فعقوبة القتل التي أنزلت في مثل هذا اليوم قبل أسبوعين بهاشم السلمان لأنه تجرأ ورفاقه على التظاهر على مقربة من السفارة الايرانية ربما كانت استبدلت بعقوبة أخف لو جرت التظاهرة بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية والفوز الكاسح لحسن روحاني المعتدل بما يمثل علامة على بداية حقبة في ايران بالتوازي مع اقتراب نهاية النظام في سوريا. قد يتوجس كثيرون من ان حظ روحاني لن يكون أفضل من حظ سلفه المعتدل محمد خاتمي غير ان هذه المخاوف ناشئة عن اسقاط مرحلة كان نظام الملالي في عافيته كاملة في مستهل القرن على المرحلة الحالية التي يمر فيها النظام بأسوأ احواله على الصعد كافة. ليس قليلا ان يهتف ألوف الايرانيين الذين كانوا يشجعون منتخب بلدهم في كرة القدم عندما كان يلعب مباراته ضد منتخب لبنان بـ”لا” لتورط ايران في غزة ولبنان. تماما مثلما يهتف غالبية اللبنانيين اليوم بـ”لا” لتورط “حزب الله”في سوريا. الامر لا يتعلق لبنانيا بلعبة كرة القدم بل بلعبة الامم حيث “حزب الله” ومعه لبنان مجرد كرة يركلها النظام الإيراني في اتجاه المرمى الذي يشاء.