#adsense

هي حملة على الجمهورية… وليس على رئيسها!

حجم الخط

يخطئ من يظن أن الحملة الجديدة على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان هي ضده شخصياً أو ضد موقفه المناهض للاعتداءات المتكررة على لبنان فقط. هي تستهدف الجمهورية نفسها، ومعها الدولة التي تجسدها واقعاً على الأرض، فضلاً عن أنها حلقة في سلسلة طويلة من الممارسات التي قامت بها قوى ما يسمى 8 آذار بقيادة “حزب الله” وحالت بها دون قيام الدولة بواجباتها تجاه المواطنين، أو حتى دون قيامها أصلاً وفي الأساس.

ولم يحدث طيلة الأعوام الماضية، في السياسة أو في الأمن أو في الاقتصاد أو في القضاء والإدارة، إلا ما يؤكد هذا الواقع بكل وضوح. بل إن قرار الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله إرسال الآلاف من جنوده الى سوريا للقتال الى جانب النظام فيها (ومنع سقوطه، كما أبلغ هو نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف) من دون علم أو حتى مشاورة الحكومة التي شكلها وما يزال يشترك فيها بعد أن تآمر على إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بالقوة، لا يعني في حقيقته إلا إعلان عدم اعترافه بالدولة ولا حتى بالجمهورية اللبنانية من أساسها.

أكثر من ذلك، فالحملة في حد ذاتها تحدثت عملياً عن نفسها. هي من جهة، بحسب إعلام الحزب وأعوانه، ضد أن يقصر رئيس الجمهورية شكواه على اعتداءات قوات النظام على لبنان من دون الإشارة الى ما قد تكون المعارضة قد فعلته رداً على المعارك التي خاضها “حزب الله” ولا يزال ضدها. فلما تبين أن شكوى الرئيس شملت الطرفين معاً، أخذت الحملة بعدها الآخر الفاضح من خلال اطروحة أحدهم (النائب عاصم قانصوه) التي تحدثت عن “خيانة عظمى” انطلاقاً مما يسمى “معاهدة الأخوة والصداقة والتعاون” التي، في رأيه، تسمح للطائرات المقاتلة والمدفعية السورية بالاعتداء على لبنان ولا تسمح للدولة فيه ـ وهو عضو في مجلسها النيابي ـ بمجرد الشكوى من هذا الاعتداء!.

في الوقت نفسه، بدا جلياً من الحملة أنه يحق لوزير الخارجية أن يقيم “دولة” خاصة به، وبالجهة السياسية التي يمثلها في داخل الحكومة، وأن يمتنع بذريعة رئاسته المطلقة لهذه “الدولة” عن تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية، حتى إذا تبين لأصحاب الحملة أن الرئيس تمسك بصلاحياته الدستورية وقام بإبلاغ كل من الأمم المتحدة والجامعة العربية بما يتعرض له البلد من اعتداءات سورية، لجأوا الى ما اعتبروه خروج الرئيس على سلطة مجلس الوزراء باعتبار أنهم قادرون في المجلس (ومن خلال بدعة الثلث المعطل؟!) على منع المجلس من اتخاذ قرار بهذا المعنى.

ولا يعني ذلك في الواقع، ومجدداً في هذه الحالة، إلا أن الهدف في النهاية هو منع قيام الدولة التي لم يدع الحزب وحلفاؤه فرصة إلا وقالوا إنهم ضدها، والتي فعلوا على مدى سنوات كل ما في طاقتهم من أجل عدم قيامها.

ألا يذكر اللبنانيون، بالمناسبة، إقفال مجلس النواب لمدة عام ونصف العام ومنع انتخاب رئيس للجمهورية واحتلال وسط بيروت بالقوة المسلحة… ثم الخروج من ذلك، وبالقوة المسلحة اياها، في اليوم الذي وصفه نصرالله بأنه “يوم مجيد” في السابع من أيار العام 2008؟.

وألا يذكرون كذلك إعلان نصرالله نفسه على رؤوس الأشهاد أنه لن يسلم المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا الى المحكمة الدولية ولا الى الحكومة التي يشترك فيها، وأنه يتحدى المحكمة والحكومة معاً (فضلاً عن أي قوة في العالم، كما قال يومها) بأن تحاول اعتقال أحد من هؤلاء المتهمين؟، وأنه هو نفسه الذي وقف في دمشق الى جانب رئيسي دولتين أجنبيتين، بشار الأسد ومحمود أحمدي نجاد، ليعلن معهما قيام “جبهة الشعوب المقاومة” التي تضم سوريا وإيران ولبنان، من دون تفويض من السلطة فيه ولا حتى من مجلس النواب أو الشعب؟.

ثم أنه، بعد الانتخابات النيابية في العامين 2005 و2009، ألم يقف نصرالله نفسه أمام جمهوره أولاً ثم في أثناء الاستشارات لتأليف الحكومة قائلاً إنه يعترف فقط بالنتائج الشعبية وليس النيابية للانتخابات، وأنه تالياً هو من يشكل الحكومات ويعطيها الثقة… ثم يمنعها بعد ذلك من العمل، تارة باسم “الشهود الزور”، وأخرى بدعوى تمويل المحكمة، وثالثة بذريعة سؤاله (مجرد سؤاله) عن مفهوم “الاستراتيجية الدفاعية” التي طالما تحدث عنها وعن معناها ومحتواها وعلاقتها بالدولة والجيش والمؤسسات الرسمية؟.

واقع الحال، أن قوى 8 آذار لم تفعل طيلة السنوات الماضية إلا كل ما يقدم الدليل القاطع على أنها لا تريد دولة في لبنان إلا “الدولة” التي أنشأتها هي في مناطقها من جهة، وتلك التي تسللت اليها منذ زمن الوصاية السورية في داخل بعض الأجهزة والمؤسسات والإدارات الرسمية من جهة ثانية. وعملياً، فليست الحملة الجديدة على رئيس الجمهورية (وحتى على قائد الجيش الذي دعاه البعض للاستقالة) إلا خطوة أخرى في الاتجاه نفسه.

هي حملة على الجمهورية وليس على الدولة فقط، ولا حتى على رئيس الجمهورية وحده. وفي هذه الفترة العصيبة من تاريخ لبنان والمنطقة، تبدو الأوهام كبيرة وواسعة الخيال، ليس في ذهن حاكم سوريا الذي لم يترك مناسبة إلا وتحدث فيها عن زلازل في المنطقة، إنما أيضاً في أذهان أتباعه في لبنان.

ألم يقل أحدهم بثقة زائدة في الفترة الأخيرة إن ما يحدث في سوريا يشكل المسمار الأخير في نعش اتفاق سايكس ـ بيكو وحدود الدول التي أنشأها في المنطقة، وإنه في لبنان تحديداً… والمقصود دخول مقاتلي “حزب الله” الى سوريا ومشاركتهم في القتال فيها… بدأت إعادة النظر في هذه الحدود؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل