بدا واضحاً أن رئيس الحكومة المكلف تمام سلام كان يرد في شكل غير مباشر على ما ورد في بعض وسائل الاعلام أمس عندما أكد إثر زيارته رئيس الجمهورية أمس تمسكه بصيغة “الثلاث ثمانات” للتشكيلة الحكومية وعدم إعطاء الثلث المعطل لأي طرف سواء في 8 أو 14 آذار.
والجديد بعدما قضي الأمر وأصبح التمديد لمجلس النواب سنة وخمسة أشهر ساري المفعول، هو أن الحكومة المرتقبة لم تعد “حكومة انتخابات” لفترة محدودة، بل أصبحت الخيارات مفتوحة على حكومة مختلطة بين سياسيين وتكنوقراط وقريبين من التكتلات النيابية والحزبية. والثابت عند الرئيس المكلف هو أن “الهدف حكومة المصلحة الوطنية التي تشكل فريق عمل منتجاً بعيداً من ذهنية المتاريس والتعطيل والانقسامات” على ما يقول جازماً. وأما “الثلث الضامن” الذي طالب به “حزب الله” في المرحلة الاولى من المشاورات والتي استمرت شهراً قبل الدخول في مرحلة الانتظار بين مجلس نواب وتمديد وطعن ومجلس دستوري، فإن سلام يؤكد أن هو من يضمنه، إذ لن يتردد في الاستقالة قبل أن يقدم أي طرف على هذه الخطوة، وهذا موقف متقدم جداً سجله على نفسه وأصبح ملزماً اياه. وعليه فإن الثلث “الضامن” أو “المعطل” يجب ألا يكون شرطاً وعائقاً أمام تشكيل الحكومة، وسيبدو الإصرار عليه، شرطاً تعجيزياً يفسح في المجال أمام خصوم المطالبين به بالقول إن هناك من لا يريد حكومة!
وإذا كان من الطبيعي ألا يهدد الرئيس المكلف بالاعتذار عن عدم الاستمرار في مهمته، فإن الشروط التعجيزية تضع هذا الخيار بين الاحتمالات الواردة، وقد قالها صراحة انه لا يستطيع الانتظار الى ما لا نهاية، وهو ليس من النوع الذي يريد حكومة بأي ثمن…
وقد عبّر عن هذا الاحتمال أمس مرجع سياسي إذ قال: “لا تحرجوه فتخرجوه… إياكم وخطر الفراغ”! ومع انطلاقة عجلة المشاورات بعدما أصبح تمام سلام في حل من أي انتظار، يفترض أن تشهد الايام العشرة المقبلة على أبعد تقدير، تطوراً عملياً على الصعيد الحكومي.
وسط هذه الأجواء ثمة بقعة ضوء تجدر الاشارة اليها، وهي أن التوترات السياسية والأمنية المفتعلة، لم تحل دون “حضور” عيد الموسيقى في لبنان، بل كان مساء الجمعة في قلب العاصمة، في موازاة افتتاح مهرجانين كبيرين للفن الراقي والموسيقى في بيت الدين وجونيه، وثمة مهرجانات مماثلة آتية في مناطق لبنانية أخرى. وهذا المشهد إن دل على شيء فعلى قوة إرادة لا تقهر يختزنها الشعب اللبناني على رغم كل سلبياته، وتحول دون وصول البلاد الى حافة اليأس فعلاً… وقد صدق الذين قالوا ذات يوم: أعطوا اللبناني الأمن، وهو كفيل بالباقي.
والأمن، لكي يكون أماناً واستقراراً حقيقياً، فيتطلب مناخاً سياسياً هادئاً وعاقلاً… فهل يتعقل “كبار القوم”؟