بات البعض يستسهل اطلاق النار على الجيش اللبناني، بل يدعو، كما فعل الشيخ أحمد الاسير أمس، الى الانشقاق عن الجيش وعدم الخضوع لقيادته، ورفض الاوامر، والانحياز الى المذهب والطائفة قبل الوطن، والانقياد الى اوامر من سعوا ويسعون الى تدمير مقومات الدولة، مفضلين عليها حال الفوضى التي باتت تسود عالمنا.
نعلم تماما ان حركة الاسير وغيرها من حركات “التحرر” هي نتاج السلاح غير الشرعي الموجود لدى اكثر من طرف لبناني، وخصوصا “حزب الله” الذي يستقوي على شركائه في الوطن، تارة بـ 7 ايار، وطوراً بالتهديد والوعيد، والتلويح بقطع يد كل من يجرؤ على “المس بالمقاومة وسلاح المقاومة”، قبل ان يعتدي على قرارات حكومة النأي بالنفس فيسقطها بتدخله السافر في الحرب الاهلية في سوريا، مما يستولد نقمة ورفضاً للواقع القائم.
ونعلم جيداً ان عدم توافر الغطاء السياسي حرم الجيش فرصة حسم الكثير من المشاكل العالقة. بل ان تواطؤ بعض السياسيين مع المرتكبين، سعيا الى اصوات انتخابية، أو حفاظاً على مصالح آنية تبدو رخيصة امام الحسابات الوطنية، جعل كرة الثلج تكبر وتكبر، حتى صار حجمها وفاعليتها مدمرين لاساسات الوطن. ونذكر الضابط الشهيد سامر حنا، والضابط الشهيد بيار بشعلاني وغيرهما، قبل شهداء الجيش امس، وعجز القيادة عن متابعة الملفات بسبب تدخلات السياسيين.
اليوم، نجد انفسنا امام مرحلة مصيرية في مستقبل هذا البلد، وتبدو امام أعيننا سيناريوات من العام 1975 عندما انسحب الجيش الى ثكنه تاركا الشارع للذين تفلتوا فجأة من عقالهم، وتحولوا ادوات لحروب الآخرين على ارضنا، فدمروا ما دمروا، ونهبوا، وقتلوا، وتركوا ارامل وايتاماً ومعوقين.
اليوم لا يبدو ان اللبنانيون تعلموا من دروس الامس، كأن التاريخ يعيد نفسه، ويسعى البعض مجددا الى شل حركة الجيش ومحاصرته بالشائعات المغرضة، وبالتهم المذهبية الرخيصة الحاقدة، والمنقوصة الكرامة الوطنية، لدفع لبنان الى المستنقع السوري بما يخدم اعداء لبنان، وصيغته للعيش المشترك. كأن اسرائيل، كما سوريا، تدفعاننا الى الحرب مجددا، بل الى الاقتتال الداخلي المذهبي الاسوأ.
تستدعي الحكمة الوطنية احاطة المؤسسة العسكرية بكل الدعم واطلاق يدها في قمع كل مظاهر الفتنة والتفلت والاخلال بالامن الى اي جهة انتمى الفاعلون، دونما نظر الى مذاهبهم وطوائفهم وتوجهاتهم السياسية، ولتُسأل المؤسسة لاحقا عما قامت به وما انجزته حفاظاً على السلم الاهلي.