| إنهاء الظاهرة «الأسيرية» بالكامل يتطلّب من الدولة التعاطي بعدالة مع كل المواطنين إعتماد نفس الإجراءات وتطبيق القوانين بدون تمييز مواطن عن آخر لا بدّ للمسؤولين من أخذ العِبَر مما حصل والتمعّن في شكاوى الناس التي أسهمت بتسهيل الظاهرة الأسيرية |
هل انتهت مشكلة الظاهرة الأسيرية التي أقلقت الصيداويين وشغلت الرأي العام اللبناني طوال العامين الماضيين، بعد اقتحام الجيش اللبناني لمقر الشيخ أحمد الأسير وأنصاره في منطقة عبرا والسيطرة عليه كلياً خلال الساعات القليلة الماضية؟
في اعتقاد سياسيين مخضرمين أن نجاح الجيش اللبناني في إنهاء وإزالة المربع الأمني الذي أقامه الشيخ أحمد الأسير، قد قلّص معظم عوامل الاحتقان والتشنج التي أفرزتها هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة وانعكست سلباً على واقع مدينة صيدا ومحيطها، ولكن فرار الشيخ الأسير إلى أي موقع آمن في لبنان، إن كان في أحد المخيمات الفلسطينية أو ما شابه، سيُبقي هذه الظاهرة قائمة إلى حدٍّ ما بالرغم من محدودية تحركه وعدم قدرته على المناورة وممارسة نشاطاته السابقة واتصالاته بالمواطنين في أكثر من منطقة لبنانية كما كان يفعل باستمرار.
ولكن يبقى أن إزالة موقع الأسير من صيدا على النحو الذي حصل فيه وانعكاسات هذه الظاهرة يتطلب القيام بسلسلة اجراءات متلازمة من الدولة ككل والجيش اللبناني وأجهزته على وجه الخصوص، لا سيما ما اجمع عليه كبار فاعليات المدينة كالرئيس فؤاد السنيورة والنائب بهية الحريري ومعظم السياسيين البارزين، بضرورة التعامل بعدالة مع كل المواطنين وتفادي الازدواجية والتمييز في معاملتهم كما كان يحصل خلال السنوات الماضية وما يزال يحصل حتى اليوم وكأن هناك مواطنين بسمنة وآخرين بزيت كما يقول المثل، وهو ما ينطبق في التعامل مع عناصر من «حزب الله» وحركة «امل» ومن لف لفهما، الذين لا تطالهم الاجراءات والتدابير الامنية ويتم التغاضي المتعمد عن تجاوزاتهم المفضوحة في التعدي على الناس بالسلاح وحمل السلاح وتخزينه واقامة المراكز الحزبية المسلحة في المدن والضواحي البعيدة كل البعد عن مواجهة العدو الاسرائيلي، والذي اصبح في الازقة والزواريب في العاصمة والمدن بغطاء مكشوف من القوى المعنية، فيما يلاحق الآخرون لأقل هفوة او تجاوز للقوانين ولو كان بسيطاً في معظم الاحيان، الامر الذي يولد شعوراً بالسخط وعدم الرضى على الدولة ويخلق حالة من الاحتقان والشعور بالغبن، وقد يتحول في بعض الاحيان الى حالة خصومة او عداء مع الدولة ككل، لا يلبث ان يتطور الى صدام معها في كثير من الحالات، مما يدخل البلاد في متاهات وازمات لا يمكن التكهن بنتائجها.
ويشبّه هؤلاء السياسيون ما يمُر به لبنان حالياً بالوضع الذي سبق نشوب الحرب الاهلية بالعام 1975 وبالطبع مع تبدل بعض الظروف والمعطيات والخشية من تكرارها في حال لم يتم تدارك التمييز في التعاطي بين المواطنين في المرحلة المقبلة واتخاذ الاجراءات الكفيلة باعتماد معايير متساوية في التعامل معهم، لردم الهوة القائمة وازالة مشاعر الغبن والاحباط التي تراكمت في الآونة الاخيرة بفعل تجاوزات وارتكابات «حزب الله» وحلفائه التي لم تعد تحسب حساباً للدولة وقوانينها إن كان في تهديد الآخرين وحماية المرتكبين أو في نقل السلاح والمسلحين عبر الحدود الى داخل سوريا للقتال هناك الى جانب نظام الأسد.
ولا شك أن الأخذ بالمطالب المحقة والملاحظات الموضوعية والقيام بالملاحقات لكل المخلين بالامن بالتوازن، سيؤدي الى نزع الذرائع وتقليص الشكاوى القائمة وتبديد كثير من عوامل الاحباط والشعور بالقهر الذي ولد النقمة ضد الدولة وقواها العسكرية والامنية في الآونة الاخيرة.
ويعتقد هؤلاء السياسيون ان أمام الدولة وخصوصا الجيش اللبناني واجهزته العسكرية امتحاناً كبيراً بعد إقتحام مقر الشيخ احمد الاسير في صيدا، ولا بد من ان يأخذ المسؤولون على كل المستويات وحتى السياسيين منهم العبر مما حصل والتمعن في الشكاوى المحقة للناس التي اسهمت في تسهيل قيام الظاهرة الاسيرية واعتماد المعالجات المطلوبة لحل هذه الشكاوى بالطرق الممكنة واعتماد المعايير المتساوية في التعاطي مع كل المواطنين، من دون تمييز او استثناءات منفرة للآخرين، وبذلك يمكن إزالة الكثير من العوامل والاسباب التي أدت الى ما حصل.
اما اذا تجاهلت الدولة ما يبوح به الناس سراً وعلناً واستمرت في اعتماد السياسة والممارسات نفسها، فإن ظاهرة الاسير قد تفرخ اكثر من ظاهرة مماثلة في اكثر من منطقة اللبنانية وهو ما يظهر واضحاً للناس وعندها ستبقى الامور تدور في نفس الدائرة وتكبر المشكلة اكثر مما حصل حتى الآن.