#adsense

الأمـــر لكـــم

حجم الخط

 

إنه شعار بسيط إنما قوي لتعزيز الثقة بالنفس وتنبيه الأشخاص إلى أن في إمكانهم اختيار أفعالهم، والتحكّم بمصيرهم، وتحمّل مسؤولية النتائج والعواقب بدل إلقاء اللوم على عوامل خارجة عن سيطرتهم أو على أشخاص آخرين.

أما في لبنان فتصبح الجملة “الأمر كله لكم وفي أيديكم فقط”. يبدو بطريقة من الطرق أن اللبنانيين يعيشون هذا الواقع على الدوام بصورة مباشرة أو غير مباشرة. والأدلة على ذلك موجودة في كل مكان: من حركة السير وصولاً إلى الأسواق والأعمال، لقد تجذّر هذا المفهوم الخاطئ في الهيئات الحكومية ووسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية والشوارع التي تمتلئ بالميليشيات أو العصابات المحلية أو الأشخاص العقيمين والحمقى الذين يهيمون في الشوارع في محاولة لانتزاع دور أو اختراع علّة لوجودهم.
عند زيارة لبنان، لا شك في أنك ستقع على واحد من السيناريوات الفاشلة أعلاه أو عليها مجتمعةً. لقد تعلّم اللبنانيون المعروفون بقدرتهم على التأقلم، التعايش معها. قد يلعنون أو يشتمون، وقد يشتكون من الوضع في جلساتهم مع الجيران أو اللقاءات المصغّرة حول فنجان قهوة أو شراب، إلا أنهم يتعايشون معه في الغالب، ويظنون أن الأمر لهم أي إن السلطة في أيديهم ليتجاهلوه بدل التحرّك أو تغيير الواقع.

ظلّ اعتماد قانون جديد للانتخاب مطروحاً على طاولة البحث طوال أربع سنوات في انتظار إقراره في مجلس النواب. وفي اللحظة الأخيرة، صوّت النواب بالإجماع على تمديد ولايتهم 17 شهراً بدل أن يقوموا بواجبهم ويتوصّلوا إلى حل للمأزق. كيف يُعقَل أن يمدّد نواب “منتخبون” ولايتهم، فيكافئون أنفسهم على أحد إخفاقاتهم الأكثر إثارة وخزياً؟ لقد شعروا ببساطة بأن الأمر لهم وتصرّفوا على هذا الأساس، ولم يردعهم أحد. أين هو الشعب الذي انتخبهم ليصرخ في وجوههم ويطردهم وهم يجرّون أذيال الخيبة والعار؟

علاوة على ذلك، يظهر شيخ سنّي له عدد قليل من الأتباع لكنهم مسلّحون، فينصّب نفسه مدافعاً عن السنّة وممثّلاً لهم في لبنان، ويأخذ منطقة بكاملها رهينة لديه، فيُرهب المدنيين ويجر البلاد إلى انقسام مذهبي لم تندمل جروحه بعد وقد لا تندمل أبداً. وقد اتّسعت دائرة الصدامات وحصدت مزيداً من القتلى والجرحى والأضرار، لأن كثراً شعروا بأن الأمر لهم وأرادوا انتهاز الفرصة. سواء كنتم تتّفقون في الرأي مع الشيخ الأسير أم لم تكونوا، لا يمكنكم لومه في بلد حيث تحتجز مجموعة أخرى، شيعية، البلاد بكاملها رهينة لديها كلما شاءت ذلك لمجرد أنها ترى أن الأمر لها.

إنها دولة فاشلة معروفة بحكوماتها ومؤسساتها وبناها التحتية الفاشلة. الأمر للجميع ما عدا أولئك الذين يجب أن يكون الأمر فعلاً لهم. يُنتهَك القانون على أيدي سياسيين جشعين وأنانيين. ويُخرَق الأمن على أيدي ميليشيويين غاضبين ومتغطرسين، ويرزح اللبنانيون تحت وطأة نظام طائفي قائم على الكراهية والانتقام.

في كل يوم، يُحتجَز الجيش والشرطة والأخيار الكثر في لبنان، وبينهم السياسيون الصادقون والناشطون الحقيقيون، أسرى أيديولوجيات عفاها الزمن، وأجندات جشعة، ومصالح خارجية، ودعاة حرب متعطّشين الى الدماء وسياسيين غير وطنيين متمسّكين بالسلطة.

صحيح أن الأمر لكم، ولكن إذا لم تمارسوا هذه السلطة، فسوف تصبحون ضحايا وأسرى السلطة نفسها التي تخلّيتم عنها.
الصورة القاتمة والخطيرة في لبنان اليوم واضحة جداً، ولا تحتاج إلى عبقري لتحليلها. إذا لم تتوقّفوا عن تصديق البروباغندا الآن، إذا لم تكفّوا عن تمكين المعتدين ولم تضعوا حداً لممارساتهم، فسوف يجرّونكم الى هاوية سحيقة من الجهل والتخلّف حيث يمكنهم أن يفرضوا سيطرتهم الكاملة.

لبنان في خطر؛ إنه مهدّد من أبنائه ومن “أيادٍ وقفازات خارجية” بعضها يعمل في الخفاء وبعضها الآخر في العلن. أناشدكم أيها اللبنانيون الأخيار، أن تضعوا الأمر والسلطة في الأيدي الصحيحة وبصورة جازمة ونهائية. بادروا إلى القيام بذلك اليوم قبل فوات الأوان!

المصدر:
النهار

خبر عاجل