26 حزيران 2013
لم يكتفِ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بحمل اسم “بطل الربيع العربي” بل أراد ان يصنع ربيع قطر على طريقته التي طالما تميزت بالمبادرات الجريئة، التي جعلت من دولته الصغيرة لاعباً على المستويين الاقليمي والدولي، لا بل انها فرضتها قاطرة العمل العربي وصاحبة الطموحات والأدوار المثيرة على المسرح الدولي، وهو ما جعل “الفورين بوليسي” تكتب تكراراً عن “الدينامية القطرية المتدفقة مثل حرارة الصحراء”.
كان منتظراً ان تنتقل السلطة الى الشيخ تميم بعد عامين لكن والده الشيخ حمد اختار امس، في خطاب مقتضب ينم عن مزيج من التواضع والزهد والامل المفعم، ان ينقل السلطة الى الامير الجديد الذي تدرج منذ اعوام على المسؤوليات في دولة سياستها تتوثب مثل نبّاض وطموحاتها تفيض الى ما هو اوسع من جغرافيتها، لكن الرجال هم الذين يصنعون الادوار في النهاية. وهكذا عندما اعلن انه “حان الوقت لنفتح صفحة جديدة اخرى في مسيرة وطننا يتولى فيها جيل جديد المسؤولية بطاقتهم المتوثبة وافكارهم الخلاقة” بدا شاباً في الحادي والستين من عمره، يسلم الراية في سباق التتابع لإبقاء قطر في الطليعة.
واذا كان الزهد في الحكم هو في اصول الاسلام، فان الشيخ حمد الذي “خطف” الحكم من والده تعمّد ان يقول ضمناً ما أراد قوله دائماً: “الله يعلم انني ما اردت السلطة غاية في ذاتها ولا سعيت اليها لدوافع شخصية بل هي مصلحة الوطن املت علينا ان نعبر به الى مرحلة جديدة”، ومن الواضح انه هنا يشير الى الماضي في سياق رفعه عنوان المستقبل.
يصنع الرجال عادة تاريخاً لكن الشيخ حمد صنع لبلده تاريخين:
اولاً- تاريخ قطر المعاصر بعدما تسلم السلطة عندما كانت دولة قطر مجرد بلد مغمور يملك خزينة شبه خاوية، ليجعل منها اكبر مصدر للغاز المسال مع ترسانة مالية ضخمة، محققاً هدفه الأهم وهو وضع بلده في مكان لافت على الخريطة الدولية، وهو ما دفع اوليفييه دالاج مؤلف كتاب “قطر، سادة اللعبة الجديدة” الى القول انه استعمل ترسانته المالية ببراعة لإجبار دول العالم على احترام قطر.
ثانياً – تاريخ التحولات الراهنة في المنطقة العربية التي ستغيّر الخريطة السياسية العربية وما لهذا من تأثير على دينامية العلاقات الدولية، “فمن خلال ما يتمتع به من حس استراتيجي” كما يقول دالاج، لم يتردد في دعم المقاومة ضد اسرائيل، فكان ان سجل لقطر حضوراً مؤثراً من الجنوب اللبناني الى قطاع غزة، ثم سارع بجسارة الى قيادة رياح الربيع العربي فكان اول من دعم الثورات في تونس وليبيا ومصر وسوريا.