من يصدّق أن “حزب الله” يهلّل لانتصار الجيش على “القوى المتطرّفة”؟ وفرحة الحزب اليوم تكاد لا تُقارن بالنشوة التي حملته على توزيع البقلاوة بعد سقوط القصير في سوريا، فالجانب الآخر للتطرف في لبنان بالنسبة الى الحزب عنوانه التهجّم على قوى 14 آذار. حضن “حزب الله” الإرهاب، وغنّى له، ثم غذاه وشبّ بقميص أسود على يديه حاملاً أسلحة وصواريخ، ثم بلغ سنّ الرشد، راشداً منحرفاً فزعزع أساس المنزل والدولة..
ولا تحتاج ذاكرة الحزب الى الإنعاش، في ما خصّ التطرّف الذي شاع بعد انقلاب “حزب الله” على الديموقراطية وشكّل حكومة بشار الأسد في لبنان، فإن الحزب لم يواجه التطرّف لأنه وجد فيه “القرش الأبيض لليوم الأسود” الذي سيرمي فيه “حزب الله” كلّ بلاويه على قوى 14 آذار.. وتستمرّ حملة التجنّي والتحريض ضدّ ثوار الأرز إنما تحت عناوين جديدة يفنّدها عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسين الموسوي ويحلل تفاصيلها، يمتدح “جيشنا الوطني” ويحمل على كل من “يعمل دائماً على المساس بهيبة الدولة”، وما كان ينقص الموسوي ليبرهن عن صدق نيات حزبه سوى أن ينحني للجيش ويسلّمه سلاحه ويفكّ أسر الضاحية الجنوبية في بيروت!
لكن لا. “حزب الله” لم يُعلن التوبة ولم يتعلّم من نهايات التجارب المتطرّفة في لبنان والعالم.. يعتقد أن أحداً لن يجرؤ على أن يرسم له نهاية لأنه سرمدي أزلي، وعلى أنه ليس حزبا إيديولوجياً، لا يسعى الى إلغاء كل شركائه في الوطن معتدلين ومتطرّفين وكل “أعداء” حلفائه في الداخل والخارج، من دون تفرقة في الدين أو المذهب..
أجل، لمن لا يصدّق، فإن “حزب الله” يؤمن بالمساواة بين كل معارضيه أو من لا يعترفون بوجوده القانوني في لبنان. بالنسبة الى الحزب كل اللبنانيين سواسية من الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى سائر شهداء ثورة الأرز والضابط الطيار سامر حنا الذي قُتل عن “طريق الخطأ”، الى شهيد الحرية هاشم السلمان. فالحزب متغلغل في كل المناطق اللبنانية، ليطبع بصماته من خلال المتّهمين الأربعة باغتيال الحريري ومحمود الحايك الذي حاول اغتيال النائب بطرس حرب، ومن كانوا يتدرّبون فأصابوا الطيار، وقَتَلة السلمان بالقمصان السود أمام السفارة الإيرانية وأخيراً من ظهرت صورهم في الإعلام من منطقة عبرا في صيدا.. فمن إذاً يحمل فتيل التطرّف ويتنقل بالفتنة في كل المناطق اللبنانية، يحمي المجرمين ويتملّق في كلامه عن الجيش اللبناني؟
يقول الموسوي إن “ثمة قوى متطرفة في لبنان هي على وفاق أبدي مع قوى الرابع عشر من آذار، البيئة الحاضنة التي تريد إدخال البلاد في أزمات مستفحلة تعطل إلى حد كبير قدرة الدولة”. طبعاً فهذا ليس جواباً على سؤال، إنها مجرّد وجهة نظر يتسلّح بها “حزب الله” كلّما احتاج الى متنفّس في الداخل ليثبت أنه ما زال موجوداً وأن قتال الشعب السوري لم يسرقه من الوطن الذي انقلب عليه مراراً.. كلام لا يفلح يوماً في وضع الشعب اللبناني وتحديداً قوى 14 آذار في مواجهة مع أي مؤسسة من مؤسسات الدولة اللبنانية التي يضع “حزب الله” يده على معظمها.
ويتابع الموسوي في تفسير لشعار قوى 14 آذار “العبور إلى الدولة يتحول عبوراً عليها، من خلال منح هذه القوى الغطاء السياسي، في عملية ممنهجة تستهدف المؤسسة العسكرية كما حصل في صيدا ويحصل في غير منطقة من لبنان”. في الواقع، فإن العبور الى الدولة لم يعرف معناه “حزب الله” حتى اليوم لأن ما يريده في الدويلة يختلف عمّا موجود في الدولة، لكن الحزب لن يعرف معنى هذا الشعار الذي لن يترجم على أرض الواقع طالما أن هناك قوى متطرّفة تحمل السلاح غير الشرعي وتنخر المناطق بالطائفية التي توزّعها كالبقلاوة..
وفي تتمة لما قاله الموسوي بعد هجومه على قوى 14 آذار، يستنكر ما تعرّض له الجيش “إن ما حصل من اعتداء على الجيش اللبناني في منطقة عبرا هو جريمة نكراء، مرفوضة ومدانة، (..) تستدعي منا جميعاً تمكين الجيش من الاقتصاص من المجرمين (..)”. فجأة حلّت بركة القانون على “حزب الله” مطالباً بتطبيقه، إنه من الضروري محاسبة القَتَلَة كما ينص القانون، لا كما تنصّ استنسابية الحزب في التعاطي مع الملفات.. وإن كان الموسوي لا يعرف “المجرمين” بالاسم، فالشعب اللبناني يعرف بالشكل والصورة والمضمون “المجرمين” الذين كانوا يرتدون القمصان السود أمام السفارة الإيرانية حين قاموا بقتل هاشم السلمان..
“نحن معنيون جميعاً، بتجنيب لبنان ما يحصل حولنا” يختم الموسوي، من دون أن “تختم” جراح اللبنانيين الذين ظلمهم “حزب الله” ولاحقهم بالتهديد والترهيب، ومن دون أن “يختتم” القضاء الدولي ملفات “حزب الله” في الاغتيال.. لكن لا بدّ أن يكون “ختامها” مسك، ويعبر اللبنانيون الى الدولة وليكن التطرّف في صيدا وعبرا عِبْرة.