“شوّشت” حوادث صيدا والاستهداف الأرعن للجيش والذهاب إلى الفخّ بعيون مفتّحة نظرياً ومقفلة عملياً، على السياق العام للحالة اللبنانية والتوقعات المرتبطة بها.
أسئلة كثيرة وكبيرة باقية من دون جواب في شأن تفاصيل ما جرى في صيدا، لكنها في العموم أسئلة تدور حول الحدث الآني في حدّ ذاته ولا تتصل بالصورة الإجمالية للوضع اللبناني… وهي الصورة التي تكثر الإشارات إلى إقفالها على مشهد حريق كبير، اكتملت مقوّماته بعد تأكيد انخراط “حزب الله” في القضية السورية، واحتفال الحزب “بشفافية” يُحسد عليها بذلك الانخراط! وبأسلوبه المميّز الكيدي والقهّار والانتحاري.
أبرز وآخر مثالب الحالة الأسيرية كانت في وصولها إلى تفجير شعارها بنفسها، وانتحارها بقرار ذاتي لا تشوبه شائبة: بدأت بحركة ضدّ السلاح غير الشرعي وانتهت بفتح النار على السلاح الشرعي. أي بمعنى آخر، بدأت كحركة مضادّة لمظاهر الخروج على الشرعية التي يمثّلها “حزب الله” وانتهت بخروجها لمقاتلة الجيش الذي هو العمود الأساس الذي يحمل خيمة الشرعيّة.
في ذلك، كان “ختام” تلك الحالة نتيجة منطقية وطبيعية لتفاصيل أدائها اليومي على مدى أكثر من عام، والذي اختلط فيه التهريج بالكلام الكبير وخفّة الرسالة بمضمونها الخطير!
… لكنها في الأساس، ومثلها مثل ظواهر أقل صخباً وأكثر تأثيراً في مناطق أخرى، لم تكن إلاّ ردّ فعل طائش على فعل مذهبي وفئوي وأناني منظّم ومدروس ومؤدلج ومؤسّساتي مثّله ويمثّله “حزب الله”.
انتهاء تلك الحالة إلى ما انتهت عليه، لن يعدّل في مسار الفتنة. بل المفارقة، هو أنّه سيزيد من ردف وجارها بالحطب… وبريء وطفولي وحليبي مَن يتجاهل في هذه الأيام وصول الاصطفاف والاحتقان إلى ذراه ومن ثم بدء العد العكسي لنزوله إلى الأرض والانفجار… ومكابر على صلة رحم بالأوهام مَن يفترض أن سياق الفتن يخضع للتحليل الأكاديمي، أو يمكن قراءته في كتاب المنطق والحِكَم الجليلة، أو التحكّم به من خلال معادلة حسابية تجعل صاحب الصواريخ أقوى من حامل الضيم والمظلوم!
… معجزة وحيدة (وممكنة؟) قد تقيم سدّاً في وجه الطوفان الآتي: أن تمزّق إيران مع رئيسها الجديد حسن روحاني كتاب الجموح الذي تقرأ فيه منذ سنوات، وتحيل مشروعها الامبراطوري إلى أقرب متحف متوفّر في طهران، طالما أنّه أدّى عملياً وواقعياً إلى جمهورية قلقة على حافة الإفلاس، فيما “الامبراطورية” الوحيدة التي بناها كانت الفتنة المذهبيّة بكل وجوهها!