#dfp #adsense

مياومون..

حجم الخط

 

في جدول أولويات اللبنانيين يبقى الأمن أوّل الهواجس. وفي جدول تمنياتهم يبقى “أن يكون الغد أفضل من اليوم” في رأس الهرم ومنتهى الأمل.

والحاصل هو أنّ وتيرة العيش صارت تعمل وفق النظام الخاص بالمياومين في دوائر الدولة. أي كل يوم بيومه.. ما يلي ذلك يبقى خارج نطاق التأكيد واليقين وخارج القياسات الطبيعية المعتمدة كقاعدة عامّة للحياة في أي بلد آخر. وفي ذلك نفي لسوية التفكير ومتطلبات الدنيا وكبح أكيد وعدمي لأي احتمالات مستقبلية جدّية وكبيرة.

.. صارت نادرة على المستوى الفردي، أو مستحيلة أو غير ذي حجّة، كل فكرة تدور وتحور حول التخطيط لأي عمل مستقبلي بعيد المدى. ربما لا يصحّ ذلك الحكم على المدى المتوسط لكنه بدوره يبقى مشروطاً بألف شرط وعلّة، وكلّها تعكس في عمقها انعدام اليقين وضراوة حضور القلق و”تألقه” كما لم يحصل حتى في أكثر المراحل مرارة وصعوبة كتلك التي طبعت يوميات الحرب الأهلية.

على المستوى الفردي سهل التعميم. لكن على مستوى المال والأعمال والتجارة العامة الأمر أصعب. وإن كان يصحّ من زاوية أنّ التأزيم ضارب أطنابه في كل القطاعات وأنّ أهل القطاع السياحي في مطلع موسم السياحة والاصطياف هم أوّل الضحايا وأكثرهم معاناة.

تشوب هذه الصورة ظواهر غريبة يراها الجميع بأمّ العين وأبيها: تكاد لا توجد مساحة خالية في بيروت الكبرى من دون ورشة تعمير. من رأس بيروت إلى رأس الأشرفية ومن ضواحيها الجنوبية إلى ضواحيها الشمالية، والأسعار المعروضة تناسب بلداً لا يعاني إلاّ من زحمة السير في ساعات الذروة!

وكأنّ رأس المال الجبان تأقلم مع واقع الحال عندنا وصار شجاعاً غير هيّاب من احتمال الخسارة، وغير سائل عن المخاطر الهاطلة مثل المطر في عزّ كانون.. أو ربّما لأنّ العقار لا يمشي ولا يموت، على عكس البشر، وبالتالي ينتكس السوق لكنه لا يبور، وينكمش لكنه لا يتحطّم.

هذا التمايز العقاري لا يجاريه شيء آخر إلاّ هواية القلق التي صارت الأكثر شعبية بين اللبنانيين.. مع أنّ قلق الناس أمني ووجودي و”بشري” وطبيعي فيما تمايز طفرة البناء أمر استثنائي يثير الاستغراب والأسئلة أكثر مما يثير قصّة التوازي مع نمو الطلب تبعاً لزيادة البشر!

.. في لعبة الأمن والمصير والوجود والقلق هذه، صار الجميع على ما يبدو “مياومين” بمن فيهم أهل اليقينيات الالهية والمشاريع الكبرى الذين كانوا ربطوا وثائق قربى مع الغيب وراحوا يتحدثون عن مستقبل يتضمن تغيير خرائط المنطقة ورسمها من جديد تبعاً لرؤاهم وتطلعاتهم! حتى هؤلاء على ما يبدو، صاروا غير متأكدين من أي شيء.. وصار “عملهم” يومياً وغبّ الطلب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل