#adsense

.. في تلك الليلة المشؤومة من حزيران

حجم الخط

 

الزمان: ليل 23 حزيران 2013
المكان: عند عتبة غرفة صغيرة في بيت قريب من خط النار في عبرا.
غفا الطفلان على فرشة اسفنجية بعدما أعياهما النعاس والخوف الذي قرآه في عيوننا، زوجتي وأنا، ونحن نحوق عليهما بأيدينا من كل جانب لنؤمن لهما الحماية من رصاصة غادرة قد تخترق النوافذ أو الجدران. ونحاول صرف انتباههما عما يجري في الخارج.

“ليست مفرقعات… إنه رصاص… إنها قذائف”. الحيلة لم تعد تنطلي على الطفلين اللذين فاجآنا بفهمهما لطبيعة الأصوات المتفجرة من حولهما. حمدنا الله أن طفلينا كانا أكثر ثباتاً منا. ربما لأنهما ما زالا قاصرين عن تقدير الخطر الداهم المحدق بعائلتنا الصغيرة في تلك الليلة العصيبة التي بدأت حين عدت إلى البيت مساءً، بعدما قررت قطع تغطيتي المباشرة للاشتباكات الدائرة، لأكون إلى جانب عائلتي. لم أكن أتوقع أن الاشتباكات ستمتد إلى محيط منزلنا كونه يقع على بعد شارعين من مسرح الأحداث. ركنت سيارتي أمام المبني حيث أقطن. كان الشارع خالياً. لم أنتبه لوجود أحد في المكان. توجهت مباشرة إلى بيتي في الطبقة الثانية، وتخففت من ثيابي، ثم رحت كعادتي أتجول في أرجاء المنزل وأنا أتحدث عبر الهاتف بحكم عملي الذي يفرض عليّ متابعة سير الأحداث حيث أكون. جاءني اتصال من التلفزيون يطلبون رسالة صوتية عما يجري في عبرا. وقفت في زاوية من زوايا صالة الاستقبال لأتجنب صوت ولديّ الدائمي الصخب. ولم أكد انتهي من رسالتي الصوتية المباشرة حتى وجدت زوجتي تشير إليّ بأن هناك صوتاً داخل البيت مصحوباً بدخان خفيف ورائحة حريق. لم أعر الأمر اهتماماً كبيراً وواصلت حديثي عبر الهاتف باتصالات متتالية. وإذ بصوت الرصاص والقذائف يقترب من محيط منزلنا، عندها انتقلنا إلى الغرفة الداخلية كونها محاطة بأبنية من حولها، وبدأنا نتخذ الاحتياطات اللازمة لتأمين منامة الطفلين بعيداً عن مرمى الرصاص. بقيت زوجتي تفكر بالصوت الذي سمعته في الصالة، وتسللت في غفلة مني لاستطلاع حقيقة الأمر، فإذ بها تعود الي مذهولة. وتبادرني وهي تحت وقع الصدمة بالقول: إنها رصاصة قناص كانت موجهة إليك وأنت تعطي رسالتك المباشرة. اخترقت الزجاج واستقرت في الجدار حيث كنت تقف!!!

ألجمني قلقي على عائلتي قبل أن أجيب. وسرعان ما استدركت وقلت لها “الله سلم”، في محاولة مني لأهدئ من روعها. لكن رأسي حينها كان أشبه بإعصار يتقاذفني، وتملكني خوف كبير على طفلي وعائلتي، نجحت في أن أخفيه عن زوجتي. واستعدت ذلك الخوف بعد انتهاء المعركة عندما أبلغني أحد الجيران أن قناصاً كان يتربص بواجهة المنزل، اتخذ من شجرة مقابلة له منصة لاصطياد ضحاياه، وأنني كنت مشروع قتيل.. مباشرة على الهواء.

ومضت ساعة… وأخرى… وبيتنا أصبح مختصراً بأقل من مترين هما مساحة فرشة ينام عليها طفلاي، سياجهما أمهما وأنا. لا كهرباء. لا أضواء حتى خافتة كي لا ترصد عيون المسلحين المنتشرين حول البيت ما يشير إلى وجود حياة في تلك الغرفة منه، فيصبّون نيرانهم على من فيها. أما الانتقال إلى باقي أرجاء البيت لإحضار بعض من طعام وماء، فكان أشبه بالمجازفة… زحفاً أو ركضاً أو محاذاة لجدار.

وتمضي الساعات ثقيلة… والقصف والاشتباك من حولنا يشتد، يقترب حيناً حتى يلامس جدران البيت، فنلتصق أكثر بولدينا النائمين، ويبعد حيناً فنتنفّس الصعداء حتى حين.

ينتصف الليل، ونحن نفترش الأرض عند رأسي وأقدام طفلينا، نسأل الله السلامة، ونحاول أن نسلي أنفسنا باختراع مواضيع نتحدث بها حيناً، والاطمئنان عبر الهاتف عمن تبقى من جيراننا في المبنى يقاسمنا تلك الساعات العصيبة. حاولت أن ابقى متماسكاً أمام زوجتي وطفلي، لكن بكاء زوجتي استدرجني إلى حدود الانهيار، قبل أن أستعيد تماسكي وأهدئ من روعها. وبقينا على هذه الحال حتى انبلاج الفجر. تبعته إشراقة شمس حزينة. فتحت الراديو، ليطالعني صوت سيدة تستغيث: “أنقذوا مدينتي”. كانت بهية الحريري. بكت… وأبكتنا. فقد عبّرت عنا بصدق، ونطقت بالأسى والوجع الذي تراكم في قلوبنا في تلك الليلة المشؤومة من حزيران… تنذكر ما تنعاد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل