#adsense

الاقتصاد السياسي دولياً

حجم الخط

 

تسعى الولايات المتحدة، كما اوضحنا في مقال سابق، الى خفض اسعار الغاز، وذلك نتيجة اكتشاف كميات كبيرة من غاز صخور الطفال، اتاحت كفاية حاجات استهلاك الغاز فيها، من دون الركون الى استيراد الغاز السائل. لذا فان تخلي الولايات المتحدة عن استيراد الغاز السائل عزز المنافسة على بيع الغاز السائل او المسيل لاوروبا الغربية بالذات، التي تستطيع استيراده من الجزائر وليبيا ونيجيريا وانغولا وقطر، وبالطبع يمكن استيراد الغاز برا من هولندا ونروج وروسيا.

وأوضح الاميركيون ان من اهدافهم الاستراتيجية خفض اسعار الغاز في اوروبا من اجل خفض عائدات شركة “غاز بروم” الروسية العملاقة. وبالفعل خفضت روسيا اسعار تسليمات الغاز في اوروبا، واذا اشتدت منافسة تسليمات شحنات الغاز المسيل، قد تنخفض الاسعار الى حد اكبر وستكون روسيا الدولة الاكثر تأثرا من هذه التطورات السلبية، لكن بلدانا اخرى كالجزائر وقطر ستعاني انخفاض اسعار الغاز المسيل كما نيجيريا وانغولا.

الجولة الاولى من التنافس الاميركي – الروسي وفرت للولايات المتحدة مؤشرات الانتصار، والرئيس الروسي بوتين اشار في قمة بطرسبرج الاخيرة الى ان انخفاض اسعار صادرات الطاقة الى اوروبا يضر بروسيا وقد يؤخر برامجها الانمائية.

وهنا سارع الى الاعلان عن توجه روسيا نحو اسواق الشرق الاقصى، اي الصين وكوريا والهند واليابان، معتبرا ان هذه المنطقة الاقتصادية مرشحة للنمو بمعدلات تفوق المعدلات المتوقعة في الولايات المتحدة، وبالتأكيد في اوروبا الغربية حيث لا نمو متوقعا خلال 2014 و2015.

وأهمية بلدان الشرق الاقصى باتت واضحة في دراسات الاقتصاديين والمصارف الكبرى، وجميع المؤشرات تشير الى تجاوز حجم اقتصاد الصين الاقتصاد الاميركي، قياسا بالقوة الشرائية، سنة 2017. واذا اضفنا الى اقتصاد الصين حجم الاقتصادات الكوري والياباني والروسي، يمكن ان نعتبر ان هذه المنطقة ستكون المنطقة الاقتصادية الكبرى عالميا بعد سنوات قليلة.

لذا لم يكن مستغربا اعلان روسيا انجاز عقود نفطية وغازية طويلة المدى مع الصين، وصادرات النفط وحدها مدى 10 سنين قيمتها 270 مليار دولار. ولا شك في ان انجاز خطوط تعبر من شرق روسيا الى الصين، وحتى الى الجزر اليابانية، امر سيربط اسواق الغاز بين هذه البلدان الاسرع نموا. والنيات الصينية للتعاون الطويل المدى واضحة من توجه شركة النفط الصينية الى المشاركة مع ثانية كبرى شركات توزيع الغاز في روسيا لانتاج الغاز السائل في المناطق القطبية.

التوجه الروسي نحو اسواق الشرق مفهوم بوضوح، لان هذه الاسواق ستكون الاسواق الكبرى لمستوردات الغاز والنفط، وهي كذلك حاليا، والقيادة الروسية استشعرت التوجه الاميركي لإحباط مساعي الروس في مجالات الطاقة عالميا. ذلك ان الاميركيين استفاقوا على امدادات الغاز من روسيا الى اوروبا الغربية وكفاية حاجات بلدانها بنسبة 30 في المئة، كما باتت شركة “غاز بروم” الروسية عملاقة في صناعة الغاز ومعالجته وتصديره، واضيف الى ذلك نجاح شركة اسمها Gunvor مسجلة في سويسرا، تسويق المنتجات النفطية وتوفير خدمات التكرير الخ… وهذه الشركة اصبحت من حيث حجم اعمالها العالمية ثانية كبرى شركات تسويق المشتقات النفطية في العالم، ومن سجلات الشركة يبدو ان المساهمين الرئيسيين هما رجل اعمال اسوجي ورجل اعمال روسي يمارس رياضة الجودو مع الرئيس بوتين، وهو من اصدقائه المقربين.

الصورة الجديدة لخريطة امدادات الطاقة عالميا لن تكون سيئة بالنسبة الى الروس، وبالنسبة الى الاميركيين ستكون الانجازات التي سيحققونها في المقام الاول داخلية، بمعنى كفاية الحاجات المحلية بأسعار ادنى مما هي لبلدان اخرى، وخصوصا البلدان الصناعية المتطورة، وهذا الواقع سيوفر للولايات المتحدة قدرة تنافسية كبيرة لن تتوانى عن استغلالها.

بيد ان المواجهات الاقتصادية لا تنحصر بموارد الطاقة، على اهميتها وتأثيرها على تكاليف الانتاج، بل تمتد الى المستقبل الاقتصادي سواء لروسيا او للولايات المتحدة، مع متابعة ما يجري في الصين.

فروسيا الشاسعة التي كان عدد سكانها 149 مليون نسمة قبل عشر سنين، صار اليوم 140 مليون نسمة، ومساحة روسيا تفرض انجاز شبكات تواصل بالقطارات السريعة لمسافات بعيدة وشبكات توزيع كهربائية، وعلى روسيا ان تحقق التفاعل بين اكتشافات علمائها وصناعاتها المتقادمة العهد، ولهذه الاسباب اعلن الرئيس الروسي عن تخصيص ما يعادل مليارات الدولارات لانجاز خطوط السكك السريعة، وانابيب نقل النفط والغاز، وتحديث وسائل عمل الادارة الحكومية، والرابط بين جهود العلماء وبرامج المصنعين والمبدعين.

اما الولايات المتحدة، فتشكو بدورها من تردي اوضاع منشآت البنية التحتية فيها، وخصوصا في مجالات الطرق السريعة، وشبكات القطارات، وتسيير حركات الطائرات التجارية الخ. والولايات المتحدة، على رغم برامج الاحتياط الفيديرالي لدعم اسعار الشقق والمنازل التي عجز اصحابها عن ايفاء اقساط ديونها وعلى رغم برامج شراء بعض السندات الاخرى، لم تحقق نسبة نمو تفوق 2,5 في المئة وهذه النسبة لا تكفل خفض مستوى الدين مستقبلا، كما ان استمرارها على هذه الوتيرة في مقابل معدل نمو بنسبة 8 في المئة في الصين، و4 – 5 في المئة في روسيا، يعني ان البلدين المنافسين للاقتصاد الاميركي قد يشكلان معا تحديا رئيسيا بعد سنة 2020.

المصدر:
النهار

خبر عاجل