حالت الظروف الأمنية، التي يمرّ بها لبنان وتحذيرات السفارة الأميركية في عوكر، دون زيارة مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون اللاجئين والسكان والهجرة آن ريتشارد أماكن تمركز اللاجئين السوريّين. زيارة ميدانية، استعاضت عنها ريتشارد بلقاء رؤساء المنظمات الدولية وغير الحكومية المعنية بشؤون اللاجئين لتقييم الجهود المبذولة في هذا الصدد.
تحمل ريتشارد في جعبتها رسالة شكر ودعم من الإدارة الأميركية إلى الحكومة اللبنانية على مقاربتها الإنسانية لقضية اللاجئين السوريّين. وتؤكّد في حوار مع عدد من الصحافيّين في مقرّ السفارة الأميركية في عوكر أنّ “جزءاً من رسالتي، هو الإمتنان لإبقاء الحدود مفتوحة وكرم العائلات اللبنانية في استضافة اللاجئين والجهد الذي بذل حتى الآن، والاطلاع على سبل تنسيق الوزارات جهودها وطرق ايصال المساعدات الى أكبر عدد من اللاجئين”.
وتقول لـ”الجمهورية”: “لا نريد أن يشعر لبنان بأنّه منسيّ أو يتمّ تجاهله، لستم وحدكم… يمكنكم الاعتماد علينا”.
وتذكّر ريتشارد بأنّ الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن خلال قمة الثماني في إيرلندا الشمالية، عن تخصيص 300 مليون دولار إضافية للمساعدات الإنسانية، التي تشمل توفير الطعام والمأوى، والرعاية الطبّية للأطفال والنساء والرجال المتضرّرين من النزاع في سوريا.
وقد بلغ حجم المساعدات الإنسانية الأميركية للشعب السوري نحو 815 مليون دولار، من ضمنها 160 مليون دولار للاجئين السوريّين في لبنان والمجتمعات التي تستضيفهم، وفق ما تؤكّد.
وبالتالي فإنّ الولايات المتحدة لم تلحظ في مساعداتها اللاجئين السوريّين فقط، بل تنوي تقاسم الأعباء مع المجتمعات المضيفة في مواجهة هذا التحدّي الكبير.
وتوضح أنّ تقديم الأموال المخصّصة للبنان يتمّ من خلال المنظمات الدولية، وفي طليعتها مفوّضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، والمجتمعات المحلية، والشركاء من المنظمات غير الحكومية لتزويد اللاجئين السوريّين والمجتمعات المضيفة اللبنانية بتحسينات لمنازل العائلات التي تستضيف اللاجئين، وبمشاريع لتحسين الخدمات المحلية في المناطق المتضرّرة، إلى جانب التدريب المهني والصفوف التعليمية، والأنشطة المدرّة للدخل لمصلحة السوريّين واللبنانيّين المحتاجين. ويوفر هذا التمويل أيضاً التلقيح للأطفال وتحسين الصرف الصحّي والمياه.
وإذ تذكّر بأنّ الولايات المتحدة تعتبر أكبر مساهم على صعيد تقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوري، تدعو ريتشارد جميع المانحين الذين شاركوا في مؤتمر الكويت في كانون الثاني الماضي إلى الوفاء بالتزاماتهم والاستجابة بسخاء لنداء الامم المتحدة الأخير. وتثمّن استضافة الكويت لهذا المؤتمر وتقديمها 30 مليون دولار، وتدعو “دولاً أخرى الى القيام بالمثل”، وتحلم “بمزيد من المال للاجئين”.
وتوضح ريتشارد أنّ الإدارة الأميركية تقدّم التمويل إلى المنظمات الدولية وغير الحكومية التي تتقدّم باقتراحات وطلبات، يراجعها فريق عمل، “فالكونغرس لا يريد إضاعة المال، بل أن ينفق بحكمة”، وفق ما تؤكّد.
في الوقت عينه، لا تنكر ريتشارد أنّها ستناقش مسألة اقامة مخيّمات للاجئين السوريّين مع المسؤولين اللبنانيّين، على رغم عدم حماستها لذلك. وتقول: “لا أنصح بالمخيّمات كحلّ ينبغي تطبيقه، هي ليست خياراً سهل التطبيق ومكلفة جداً على المدى الطويل”، من دون أن تغفل عن الإشادة بالتجربة التركية في إنشاء مخيّمات مجهّزة بشكل افضل، فضلاً عن أنّ “انتشار اللاجئين في المناطق وعدم عزلهم يمكّنهم من متابعة حياتهم بطريقة طبيعية”، على حدّ تعبيرها.
وتقول لـ”الجمهورية”: “على الناس أن لا يركّزوا على الخطر الأمني الذي قد يثيره اللاجئون، وأن لا ينسوا ما قاساه هؤلاء، فحين يستمعون الى اللاجئين، ستهالهم الأوضاع المروعة التي مرّوا بها وخسارتهم أفراد عائلاتهم، وبالتالي هم يحتاجون إلى موارد، ومأوى وعناية صحّية”.
وتنفي ريتشارد تخصيص اللاجئين المسيحيّين بمعاملة تفضيلية. وتقول: “إذا أوصت UNHCR بضرورة ذهاب عدد من اللاجئين السوريّين الى أميركا، وهذا من شأنه حماية حياتهم، لن ترفض الولايات المتحدة ذلك”. وتضيف: “نحن لا نميّز بين لاجئ وآخر على أساس ديني أو عرقي، ولكننا نعطي الأولوية لمن يواجهون خطر الملاحقة وهذا ما فعلناه مع عدد من العراقيّين، الذين هربوا من العنف الطائفي، من دون إغفال ايضاً ذوي الحاجات الخاصة”.
وإذ تشيد بعرض ألمانيا استضافة 5000 لاجئ سوري، تؤكّد أنّ “استضافة الولايات المتحدة عدداً كبيراً من اللاجئين السوريّين لن يحلّ الأزمة”. وتعلن “أننا نخشى استمرار الأزمة، وتصاعد وتيرة العنف الطائفي، واستمرار تدفق اللاجئين السوريّين الى لبنان ودول الجوار، فالحلّ هو السلام في سوريا وعودة اللاجئين الى ديارهم”.
ولا تنكر ريتشارد وجود بعض أوجه التمييز تجاه اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا، الذين تجاوز عددهم الـ56500. وتذكّر بأنّها وخلال لقائها المسؤول الثاني في “الأونروا” وهي تزور بيروت في تشرين الثاني الماضي، “أُبلغت أنّ بعض الفلسطينيين عندما ذهبوا يطلبون المساعدة من منظمات دولية أخرى، كان الجواب “الأونروا” مسؤولة عنكم”. غير أنّ ذلك لا يلغي استمرار دعم الولايات المتحدة لـ”الأونروا” في لبنان وتقديم المساعدة اللازمة لهذه الفئة من السكان، بما في ذلك المساعدة النقدية، وإمدادات الإغاثة، والتعليم، والرعاية الطبّية.
وتُبدي ريتشارد أسفها للأوضاع السيئة التي تسود المخيّمات الفلسطينية في لبنان وحال الازدحام القوية، وضيق منازلها على أهلها في الأصل.
ولا تُظهر حماسة لإقامة لجنة إقليمية بين البلدان المجاورة لسوريا لتنسيق العمل الإغاثي، وتقول لـ”الجمهورية”: “لست ضد إنشاء لجنة اقليمية، إذا كانت تهدف إلى خلق المزيد من التنسيق، لكنّ الامر دونه صعوبات، إذ لكلّ دولة مقاربة مختلفة وقضايا داخلية خاصة”. وتضيف: “لا أدري الى اي حد يمكن ان يكون الدفع في اتجاه عمل إقليمي هو الحلّ”.
وتعتبر ريتشارد أنّ “خلق مناطق آمنة داخل سوريا ليس حلاً سحرياً، البعض قد يجد وراء الدوافع الانسانية نيّات عسكرية للتدخّل”.
وتُبدي تعاطفها الكبير مع اللاجئين السوريّين وتأمل عودتهم الى ديارهم في أقرب وقت، “وتأثّرها برغبة الكثير البقاء داخل بلدهم”، وتختم: “نسعى إلى أن نصل الى كل لاجئ، لكننا نقرّ بأنّ عملنا لا يزال غير كاف”.