ذهب “حزب الله” إلى سوريا في ظل اعتبارات كثيرة ومطّاطة أبرزها أنّ بشار الأسد جزء أساسي من محور الممانعة وانكساره يكسر ظهر ذلك المحور وظهر “المقاومة”… وبرغم ذلك الوضوح، اضطر إلى تدريج تدخّله ثمّ تمويهه من خلال القول أولاّ إنه يدافع عن لبنانيين يعيشون في سوريا منذ مئات السنين… ثمّ عن مقامات دينية تتعرّض لاعتداءات “التكفيريين”! ثم لحماية مسيرته الإسبارطية! وصولاً إلى إبلاغ نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف “النسخة الأخيرة” القائلة إنّه تدخّل لمنع سقوط دمشق ومعها النظام.
بغضّ النظر عن ذلك البؤس التمويهي الذي لا يليق بأحد، تُطرح الأسئلة، وفي البال، أنّ الأجوبة مستحيلة: ما هو في العمق، مبرّر انخراطه في “معركة صيدا”؟ وما هو الخطر الوجودي الذي كان يتهدّد “مقاومته” في المدينة؟ وما الذي كانت تشكّله ظاهرة الأسير فعلياً وعملياً من تحدّيات على بنيته ومسيرته تبرّر وتبيح كل تلك الممارسات التي سبقت ورافقت وتلت معركة عبرا؟! وما هو الخطر الاستراتيجي الذي شكّلته “قلعة” آل الحريري في مجدليون كي يحاصرها بتلك الصورة المشينة ويستهدفها بالرصاص المباشر؟ وما هي المعطيات المؤثرة في “زحفه إلى القدس” التي تشكّلها بعض الجوامع الصيداوية كي يتم استهدافها والطخّ عليها ومحاصرتها بحسب ما جاء في الشهادات الحيّة لأولياء أمرها؟ وما الذي يبرّر ممارسات مقزّزة كانت لا تزال تجري حتى يوم أمس في حق شبان من المدينة، دفعت بالمفتي الشيخ سليم سوسان إلى دبّ الصوت والتحذير من الكارثة الكبرى؟!
الحقيقة الوحيدة الممكنة من وراء كل الأحجية والأغطية التي يعتمدها الحزب، هي أنّ طريقه كان وصار أكثر، محكوماً بهويّته المذهبية وليس بهويّتة المقاومة… بالهويّة الفعلية التي بنى أساساته عليها والتي دفعته وتدفعه وستدفعه إلى اعتبار “معركته” واحدة من دمشق إلى القصير إلى تلكلخ إلى صيدا… وإلاّ ما كان ليفعل ما يفعله، لا في الميدان ولا في السياسة ولا في الإعلام، وما كان لينكشف بهذه الصورة الانتحارية له والمدمّرة له ولغيره.
التراكم الكيدي الذي سجّله على مدى السنوات الماضية وصل إلى نقطة الامتلاء. وما فعله ويفعله في صيدا فضّاح أكثر من أي “محطّة” مماثلة في تلك السيرة… تحطّم جزء من القناع في القصير، وتحطّم الجزء الآخر في صيدا. أمّا ما تبقى من رذاذ الكسر وغبار السقوط فليس إلاّ تردّدات وأصداء لشيء كان بالأمس اسمه “مقاومة” وصار اليوم اسمه الفتنة العمياء… ولا شيء آخر!