تُرخي مرحلة ما بعد عبرا بظلالها على الداخل اللبناني، حيث يستمر الترقّب لمنحى الأحداث المتأرجح بين تغليب لغة العقل وانتصار منطق الدولة على الجميع، أو تغليب مشاعر الفتنة الدموية، وانتصار فريق ضد الآخر وضد الدولة ومؤسساتها.
ويشكّل بيان رؤساء الحكومات حجر الأساس لوأد الفتنة ولجم الغضب العارم في الشارع، خاصة في ظل اتهام البعض حزب الله بالدخول على الخط في هذه العملية، في خطوة أشبه باستهداف طائفة من أن تكون دعماً للمؤسسة العسكرية.
فالجيش هو النقطة الأوضح في مواقف 14 آذار عامة، والطائفة السنّية خاصة، كونه المرجعية العسكرية الوحيدة المعترف بها، والتي ناضل هذا الفريق لجعلها الفاعلة على الأرض، ودفع حزب الله لضمّ سلاحه وخبراته لشرعيتها تحت مظلة الاستراتيجية الدفاعية، في خطوة تؤسّس لدولة حقيقية تفرض سلطتها وهيبتها على كافة الأراضي اللبنانية، مطهّرة بؤرها ومربعاتها وحتى مخيماتها من السلاح غير الشرعي، حيث تنتفي الحاجة له إلا في مواجهة العدو الإسرائيلي، والذود عن الأرض اللبنانية، وتحت راية جيشه.
لكن غياب الحوار، وانقطاع الاتصال بين شركاء الوطن، جعل هذه الخطوة ضرباً من الخيال، ويبقى التعامل مع الواقع بحكمة ودراية هي المهمّة الأصعب!
فوأد الفتنة بشكل أحادي هي أقرب إلى تحريك الجبال وردم البحار.. دون جدوى! أمّا إشعال الفتن وتحويلها إلى صراع فهو أمر يتطلّب وجود طرفين على الأقل، وبالتالي وأدها وقطع دابرها يفرض التعاون والتلاقي عند منتصف الطريق، إذا ما كانت نوايا احتواء الموقف وتعزيز السلم الأهلي صادقة، وليست شعارات انتخابية تجارية وحسب.
أمّا الخطوات العملية في هذا الاتجاه فبدأت باجتماع رؤساء الحكومات، والالتفاف الرسمي والشعبي حول دور الجيش وأهميته في بسط سلطة الدولة، شرط أن يضرب بحديد، وبشكل متساوٍ بين اللبنانيين، دون أي تمايز أو محسوبيات. فضلاً عن تصحيح الممارسات التي غذّت التطرّف والتمذهب الذي مثلته الحالة الأسيرية، والتي يشكّل وضع الشقق الأمنية في عبرا في عُهدة الجيش الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، ويكون سحب المظاهر المسلّحة المستفزّة للناس وللشرعية العسكرية بالدرجة الأولى، ثانيها!
أما عودة التنسيق بين الشركاء في الوطن والمصير، فلا بدّ منه، بعدما أثبتت التجربة أنه لا يمكن لطرف أن يُلغي الآخر، مهما بلغت سطوة سلاحه، فوضع اليد بالقوة على مقومات الدولة ممكن، ولكنه لن يفضي لأية نتائج، ولن يحقّق أية مكاسب لصاحب السطوة، بل العكس تماماً سوف يحوِّل السيطرة العسكرية والميدانية، إلى فشل سياسي مدوٍّ، وإلى فقدان لأية شرعية أو أدنى حدود الاحتضان الرسمي والشعبي الذي ميّز ونصر المقاومة في لبنان خلال المرحلة السابقة من صراعها مع العدو!
إن توظيف ضبط الشارع السنّي بعد أحداث عبرا للخروج من المأزق السياسي، وتحصين الساحة الداخلية ضد الألغام المذهبية والفئوية والطائفية، بات مسؤولية عامة، تتطلّب تضافر الجهود لإعادة الدماء في شرايين مؤسسات الدولة، أولها الحكومة المعطّلة التأليف، وثانيها تعزيز الأجهزة الأمنية عبر التوافق حول قادتها، تجنباً للوقوع في الفراغ المؤسساتي، وبالتالي حصول المزيد من التسيّب الأمني غير المسبوق، والذي انعكست تداعياته على الحياة الاقتصادية المتأزمة في لبنان.
إن البيان المتسرّع الذي وضع صيدا وأهلها أمام أحد خيارين: إما مع الجيش أو مع الأسير، لم يكن له ما يبرّره، لأن عاصمة الجنوب كانت دائماً مع مشروع الدولة والسلطة الشرعية.
نعم الجيش هو الخيار الأول والأخير، كما هي دولة المؤسسات، ولكن بكل ما يحمل هذا المفهوم من معنى بفرض القانون وهيبة الدولة وقوتها على الجميع، دون أي استثناء أو مراعاة، مهما كانت الحيثيات.
فأين موقف الجيش في هذه المعادلة؟.