|
|
||||||
إذاً، كلمة جديدة أضيفت الى القاموس مع حنين الجنرال الى “اللقاء الأرثوذكسي”. وما كان ينقص اللبنانيين الذين يحاربون الفتنة، التي تطلّ برأسها من الشباك، سوى من يذكّرهم في فترة تصفيات قوى 8 آذار لشركائهم، بأن الجنرال حاضر دائماً لاستكمال مشاريع حلفائه الممانعين. ويدخل عون اليوم باب مجلس النواب ناعياً وشاكياً الحياة الدستورية اللبنانية.. فقط لأن مشاريع القوانين التي يقدّمها، منها ما يلازم جوارير المجلس ومنها ما لا يعرض على المجلس بتاتاً يبقى أهمّها على الإطلاق “الأرثوذكسي”.
لكن مواقف الجنرال باتت تتعارض في الفترة الأخيرة مع مواقف حليفه “حزب الله” الذي تجمع بينهما وثيقة تفاهم، فلا الحزب متفاهم مع الجنرال لكنّه لا يعلّق على كلامه ولا ينتقد مواقفه، ولا الجنرال راضٍ على ما يفرضه الحزب لكنّه لا يعترض. وبين عدم التعليق وعدم الاعتراض، أصبح لبنان مجرّد حبل مصالح يشدّ به الحزب ناحية التمديد ويردّ الجنرال عليه بالتعطيل..
وأن يكون الأول ممدّد والثاني معطّل لا يعني أنهما على خلاف إنما هما متّفقان على أن يختلفا على المصالح والتعيينات.. فكل مشاريع القوانين التي يقدّمها الجنرال لم تصل الى مرحلة المناقشة، لا بل إنها لم تعرض على الهيئة العامة للمجلس، وبهذا لا يمكن للجنرال أن يتّهم قوى 14 آذار بأنها تعطّل له مشاريعه.. لكن هذا لن يحمله طبعاً الى توجيه أي ملاحظة أو تسجيل أي اعتراض على ما يقوم به حلفاؤه ليبقي على أمل حظوظه بالتعيينات المقبلة لكنّ هذا لم يثنه عن القول “ما حدا يستوطي حيطنا”.
ويرفض الجنرال أي قرار خارج عن إرادته حين يقول “لا أحد يقرر عنا”، بعدما ادّعى منذ أيام بأن له الأولوية في تسمية قائد الجيش، وفي هذا رسالة مزدوجة، أولها الى الحلفاء الذين لا يتطلّعون سوى الى تحقيق مصالحهم بطريقة يستأذنهم فيها بالتسمية، وثانيها الى خصومه ليبرهن لهم أن له الكلمة الفصل في التعيينات داخل تحالفه.. لا يريد الجنرال أن تتكرر سابقة تسمية مدير عام قوى الأمن الداخلي، والسؤال هنا مشروع: لماذا لم يعطِ “حزب الله” حليفه الجنرال الحقّ بتسمية المدير العام الذي كان وعد باستعادة موقعه الى المسيحيين؟
ويغوص الجنرال في التاريخ، كأنما هو يؤرّخ تسمية جنرالات لبنان ويخلص الى أنه “منذ العام 1990 حتى اليوم، يعينون قائد الجيش ويفرضونه على المسيحيين”، من دون أن يحدد من هو الفاعل في التعيين، إنما كل الشعب اللبناني يتذّكر جيداً حتى حلفاء النظام السوري، بأن نظام حافظ الأسد، الذي كان عون يريد “تكسير رأسه”، كان يفرض على اللبنانيين قائد الجيش.. غير أن مسألة فرض النظام لقائد الجيش تعود الى منتصف الثمانينات، وإن قرر الجنرال هذه المرة أن يتذّكر الماضي القريب، فلا بدّ أن يتذكّره كاملاً، خصوصاً أن أحد الفاعلين في النظام السوري حينها فرض ترقيات يحظى معها العقيد بلقب عماد.
وأكثر ما يثير حنق الجنرال في هذه الفترة هو الاتجاه الى التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي. فعدا عن أنه يريد أن تكون تسمية القائد حصرية له، وعدا عن أنه يريد تعيين صهره الثاني ليكون له سندين وليس سنداً واحداً، فإن عون يرجّح أن “لا تنعقد جلسة مجلس النواب يوم الإثنين المقبل”، ويتابع “لربّما تمّ الهمس بأذن قائد الجيش أنه سيصبح رئيساً للجمهورية”.. ومخاوف الجنرال تطال أكثر من اتّجاه هنا، فإن التمديد لقهوجي يغيظه ويهدد مستقبل عائلته في الدولة التي يسعى الى احتكارها لتياره ويسلّم صهره قيادة الجيش، كما أنه ومنذ منتصف الثمانينات انتخب كل من كان قائداً للجيش رئيساً للجمهورية إلا هو! وهذا كافٍ ليشعل غضبه.
ويصف عون المرحلة الحالية بأنها “مرحلة انحطاط قصوى في التعاطي”، فكما أن الحكومات تعمل على تثبيت الاستقرار على مرّ السنوات، فإن الإنحطاط بلغ “أطنابه” في ظلّ حكومة بشار الأسد في لبنان التي في الواقع تصرّف أعمال النظام السوري ولم تفلح محلياً سوى في فرض تعيينات والاختلاف على الأسماء ويكمل القيّمون عليها اليوم سياسة التعطيل والتهديد والوعيد والإلغاء والفتنة. سياسة الجنرال لا تحيد عن سياسة الحكومة المستقيلة، فهو يريد أن يختزل المواقع المسيحية والفاعلة له ولعائلته إن رضي شركاؤه أو رفضوا أو إن لم يكن المرجع “الصالح” لتقرير مصير مثل هذه الملفات.. أما بالتمديد، وبالتالي “بالتشريع خلافا للقوانين فرح نصير شرشوحة”، وما أدرى اللبنانيين بـ”الشرشوح”، سوى أنه “بياكول وبيروح”!