«هيبة الدولة» في لبنان

ثمّة تعبير يداخل كلّ قول سياسيّ في لبنان. إنّه «هيبة الدولة». والتعبير هذا لم يحظ بالانتشار الذي حظي به لولا ضعف الدولة المزمن، ولولا التوق إلى الأمن والسلام الأهليّ اللذين لا ترعاهما إلاّ الدولة والقانون. لهذا رأينا الجميع، طوائف ومناطق، يحوّلونه واحداً من محفوظاتهم الأثيرة.

حتّى أكثر الكارهين لقوّة الدول وأدوار الجيوش يمكن أن يتسامحوا مع هذا المطلب اللبنانيّ الشرعيّ جدّاً، لأنّ المقصود بـ «هيبة الدولة»، في هذه الحال، ليس إنزال الطغيان في الداخل ولا ممارسة العدوان في الخارج، بل الحدّ من صلف الطوائف ومن قدرتها على انتهاج الطغيان والعدوان.

لكنّ التعلّق اللبنانيّ بـ «هيبة الدولة» كثيراً ما يقود أصحابه إلى الاستخفاف والاسترخاص. هكذا يصاب كثيرون منّا بالتخمة بعد لقمتين اثنتين بسبب الجوع المتأصّل فيتراءى لهم أنّ الشبع أدركهم. على هذا النحو يغدو قمع ظاهرة غبيّة وفولكلوريّة، وإن كانت شريرة، كظاهرة أحمد الأسير في صيدا، انتصاراً لـ «هيبة الدولة» إيّاها. وواقع كهذا يقول كم أنّ تلك «الهيبة» السهلة جدّاً صعبة جدّاً.

برهان ذلك لا يقتصر على تصدّع المؤسّسات الرسميّة، أو شللها، واحدة بعد الأخرى، ولا تنمّ عنه قدرة أحد النوّاب على اتّهام رئيس الجمهوريّة بـ «الخيانة العظمى» لمجرّد أنّ الرئيس قرّر أن يكون رئيساً وأن يشكو إلى العالم حكومة البلد التي تقصف بلده وشعبه.

فقبل هذا، وفوق هذا، تبقى «هيبة الدولة» موضع شكّ كبير في ظلّ وجود دولة أخرى إلى جوارها أقوى منها بلا قياس. في هذا المعنى تبدو قوّة «حزب الله»، لا قوّة أحمد الأسير، المحكّ الفعليّ والجدّيّ لـ «هيبة الدولة».

والحال أنّ التعامل مع قوّة أحمد الأسير بوصفها هذا المحكّ البديل هو ممّا يسمّيه علماء النفس بالإزاحة، أي اصطفاء من يلائمنا اصطفاؤه، أو من نستطيع اصطفاءه، كي يكون الشرّير الأكبر، نيابةً عن الشرّير الأكبر الذي لا يلائمنا اصطفاؤه لذاك الدور أو لا نستطيعه أصلاً.

وما نراه اليوم بأمّ العين أنّ السلوك هذا إنّما يزيد في إضعاف «هيبة الدولة» لسببين على الأقلّ: أوّلهما أنّ النهج المذكور، والحال هذه، يقوّي فريقاً أهليّاً يملك أصلاً فائض قوّة على فريق أهليّ آخر يعاني أصلاً فائض ضعف. أمّا الثاني فمؤدّاه تلويث النزاهة والحياديّة المفترضتين في الدولة، ومن ثمّ إضعاف صدقيّة الدولة المفترضة حيال المجتمع الذي تحكمه.

ولأنّ هذا ما يحصل اليوم، في صيدا وفي غير صيدا، يُخشى أن يتحوّل المجتمع إلى طرفين: طرف يضحك على الدولة بالتصفيق لها وبحملها على أداء مهمّاته بدلاً منه، كي ينصرف إلى معاركه الجدّيّة في الجوار السوريّ، وطرف ثانٍ ينظر إلى الدولة بوصفها طرفاً خارجيّاً يكاد يكون عدوّاً خارجيّاً. أمّا الطرف الأوّل فيتشدّق بـ «هيبة الدولة» ويسخر في سرّه من تلك «الهيبة»، وأمّا الطرف الثاني فيعدّ العدّة لمواجهة تلك «الهيبة» التي لا تُمارس إلاّ عليه.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل