في سياق استحضار الأمثلة الدالة على انسلاخ السنّة عن الدولة لصالح ولاءات دينية عابرة للأوطان، استعاد الجنرال ميشال عون، ثلاث حوادث مفصلية للمواجهات بين «هم» والجيش اللبناني على اثر أحداث صيدا الأخيرة، لافتاً في الوقت عينه إلى أن «لا أحد يمكنه فصل السنّة عن الجيش».
و«هم» في وعي الجنرال أبناء الطائفة السنّية مجتمعين، من أرفع قيادة سياسية إلى أصغر تنظيم مسلح ومتطرف. إنهم بحسبه سلة واحدة يمكن التوجه اليها بجذرية الصوت الواحد. فـ «هم» واجهوا الجيش في أحداث الضنية العام 2000، و «هم» عادوا واعتدوا عليه في حرب مخيم نهر البارد في 2007، واليوم يعودون «هم» انفسهم لقتاله في صيدا.
هكذا لا يميز الجنرال وشريحة واسعة من اللبنانيين الذين التفوا حول الجيش لأسباب مختلفة، بين ثلاث حالات مختلفة من الاصطدام الدموي بين «مجموعات مسلحة سنّية» ومؤسسة عسكرية تم زجها في معارك خاسرة بفعل قرارات سياسية لبت وتلبي إرادات خارجية.
ففي أواسط 1999 أنشأت مجموعة الضنية معسكر تدريب في إحدى قرى الشمال متغذية من يُتم خلّفه انهزام حركة «التوحيد» ومرارة عميقة حيال قبضة سورية أمنية وسياسية مطبقة على المنطقة كلها. وبغض طرف من السوريين، وتسهيل منهم في أحيان كثيرة تركت المجموعة تنمو ببطء وهدوء وبشكل شبه علني على مدى أشهر. ولما حان قطافها، وعوضاً عن إلقاء القبض على عناصر المجموعة ومحاكمتهم، دفع السوريون بالسياسيين اللبنانيين الى اتخاذ قرار مداهمتهم عسكرياً. فكانت معركة دفع اليها الجيش وتولى من بعدها «تنظيف» الساحة السنّية من كل ذي لحية شمالاً وبقاعاً.
وفي 2007، لا يخفى أن تنظيم «فتح الاسلام» الذي خاض حرباً دموية مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد كان دخل اليه واستقر فيه من باب تنظيم «فتح الانتفاضة» المرتبط مباشرة بالأجهزة السورية.
مرة أخرى، عرف السوريون كيف يتم «تسمين الطريدة» ويدفع الآخرون الى ذبحها.
أما ظاهرة الأسير التي قد تشابه الظاهرتين الأوليين في الشكل فتختلف معهما في المضمون. فهي نتاج مزدوج لغياب قيادة معتدلة جامعة بعد خروج السوريين و «احباط سنّي» متراكم منذ انتهاء الحرب الأهلية. فصحيح أن اتفاق الطائف منح الطائفة السنّية سلطات سياسية إضافية، إلا انها بقيت نظرية وغير قابلة للتطبيق على أرض الواقع بفعل السيطرة السورية على الحياة العامة وتضخيم حالات سنية متطرفة على هامش المتن المعتدل الذي يعبر عن غالبية السنّة اللبنانيين. فخلال عقدين، كان ما يشبه «المظلومية» السنّية يعتمل في النفوس من دون اي امكانية للتفريغ في الحيز العام. أما بعد 2005، فأوكلت المهمة لحلفاء سورية في لبنان وتكرس لهم ذلك بفعل اتفاق الدوحة الذي أطاح الى حد بعيد بالطائف. وكان يمكن لاغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري أن يشكل ذروة لاستعادة دور مسلوب، لكن «المظلومية» عادت بأشكال اخرى من اعتصامات شلت عمل الحكومة وعطلت الحياة السياسية الى أحداث 7 ايار (مايو) 2008 وتوجيه سلاح «حزب الله» الى الداخل، مروراً بحملة اغتيالات لا تزال بلا محاسبة، وصولاً أخيراً إلى تصفية رجال دين سنّة (للمفارقة!) على حاجز للجيش اللبناني.
الى هذا يتغذى سنّة لبنان من مظلومية إضافية تصلهم من وراء الحدود سواء في العراق أو سورية حيث تم اجتثاثـ «هم» مع اجتثاث البعث في الأول، ويذبحون يومياً في الثانية. وشكلت مشاركة «حزب الله» (خصمهم المحلي)، في قتل إخوانهم السوريين لصالح نظام الاسد (عدوهم الخارجي) القشّة التي قصمت الظهر.
هكذا، خاض السياسيون في صيدا مرة أخرى معركة «حزب الله» وحليفه فزجوا بالجيش الى مواجهة ليست مواجهته، علماً أن الغطاء السياسي هذا لم يمنح للمؤسسة العسكرية في الدفاع عن نفسها بالدرجة الأولى في حوادث مار مخايل مثلاً، أو حين اسقط لها الحزب مروحية في الجنوب وقتل طياراً!
صحيح يا جنرال. لا أحد يمكنه فصل السنّة عن الجيش، تماماً كما في عراق صدام لم يفصل الشيعة عن جيش بقيادة سنّية، وسورية حيث لا يفصل السنّة عن جيش بقيادة علوية. إنها الاقليات يا جنرال حين تمسك الأكثريات من أعناقها بذريعة الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية الجامعة.