فيما يستمر مشروع الحكومة العتيدة على شيء من الخجل، يبدو مجلس النواب متجها الى الحكم التشريعي غير عابئ بوجود حكومة تصريف اعمال وبعدم توفر مشروع مرسوم فتح دورة استثنائية للمجلس، وبوجود رئيس مكلف تشكيل الحكومة، كل ذلك والرئيس نبيه بري لا يتقاعس عن الدعوة الى جلسات نيابية تشريعية، غير مكترث بنظام وقانون وعرف، وعلى من لا يرضيه ذلك ان يضرب رأسه بالحائط، لاسيما ان التمديد للمجلس قد تحول الى عبء سياسي تأثرت به سمعة «الحكم الديموقراطي – البرلماني في لبنان» وترك انطباعات اقليمية ودولية مفادها اننا لسنا افضل حالا من الدول العربية كافة!
الذين قالوا ان وراء التمديد للمجلس خشية الرئيس نبيه بري من ان لا يعود رئيسا للسلطة التشريعية كلام في محله، والا ما معنى التمديد لسنة وخمسة اشهر ومنع المجلس الدستوري من النظر في الطعون، حيث ساد الظن لبعض الوقت ان الرئيس بري لا بد وان يأخذ باقتراح رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان التمديد للمجلس ما بين شهرين واربعة اشهر، على امل وضع قانون انتخابي جديد. لكن ذلك لم يحصل، بعد منع المجلس الدستوري من البت بالطعون (طعنان من الرئيس سليمان ومن رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد السابق ميشال عون)، اضافة الى ان البحث بقانون جديد للانتخاب يجب الا يستغرق سوى جلسة او جلستين، مع العلم ان وراء التمديد ما سبق قوله عن خوف الرئيس بري من ان يرى خلفا للرئاسة الثانية من بين قوى 14 اذار، فضلا عن رغبة رئيس المجلس بأن تجري انتخابات رئاسة الجمهورية الجديدة في ظل ولايته وليس ولاية سواه؟!
للذكرى: في 22 ايلول 1988 شكل العماد قائد الجيش ميشال عون حكومة عسكرية (انتقالية) من خمسة وزراء على اساس «تأمين انتقال السلطة في صورة سريعة وسليمة ومتجردة، على ان لا ينظر اليها كأنها حكومة عسكرية – انقلابية، طالما ان وجودها مرهون بتحقيق انتخاب رئيس للجمهورية في اطار الحرية التامة والديموقراطية الكاملة ترشيحا وانتخابا عبر توفير الامن المتجرد للعبة البرلمانية الديموقراطية التي يكرسها النظام والدستور والعرف»، فيما كانت النتيجة منعه النواب من الوصول الى المجلس وشنه حربين كاملتي المواصفات ضد الاحتلال السوري وضد القوات اللبنانية بحجة توحيد البندقية.
لقد استمر عمل الحكومة الانتقالية – الانقلابية من 22 ايلول 1988 الى 25 تشرين الثاني 1989 مكرسة الانقسام والتقسيم في طول لبنان وعرضه، حيث كانت حكومتان (الثانية برئاسة الرئيس سليم الحص) وجيشان الثاني برئاسة العميد – اللواء سامي الخطيب، حيث افتقد البلد ادنى مستويات الوفاق والوحدة!
بماذا نشبه لبنان في هذا الظرف، بحكم العماد ميشال عون (طالما ان لا سلطة لرئيس الجمهورية) او لحكومة الرئيس نبيه بري وفي الحالين ليس في البلد سلطة تنفيذية لان الحكومة مستقيلة وتقوم بتصريف الاعمال ورئيس الثانية مكلف بتشكيل الحكومة اي ان البلد يفتقر الى سلطة تنفيذية والسلطة المتوفرة حاليا خاضعة لرئيس السلطة التشريعية اي اننا في وضع انقلابي واضح المعالم ولا لبس فيه، واي تصرف من خلال المجلس يحمل في سياقه امكان الطعن فيه، إلا اذا كان الرئيس بري يعرف مسبقا انه قادر على التحكم بالمجلس الدستوري كما سبق وحصل معه في مجال الطعن بالتمديد للمجلس!
وامام هكذا تطورات، لا بد من سؤال الرئيس المكلف عن ضرورة تشكيل الحكومة وفي اسرع وقت ومهما كانت صورتها كي لا يتكرس الخلاف الدستوري والتباين القانوني، بحسب اجماع المراقبين الذين يرون ان وجود حكومة في هذا الوقت لا بد وان يمتص الخلافات مهما كبرت، ومهما كانت المواقف منها، خصوصا ان اللعبة القانونية تنتفي شكلا ومضمونا عند العودة الى الاصول، اضافة الى ان تكريس الخلاف سيؤدي تلقائيا الى ما يفهم منه ان استحقاقات كثيرة ستتلازم مع الخلاف، لاسيما عند البحث لاحقا في موضوع الانتخابات الرئاسية حيث يقال من الان ان هناك مخططا لادخال تعديلات جذرية على قانونها يسمح بالوصول الى ما يفهم منه ان الانتخابات الرئاسية ستشوبها تصرفات من خارج القانون وعلى اساسات مختلفة عن الدستور والاعراف؟!