رغم الأجواء المشدودة التي عادت تسود الوضع السياسي في لبنان مدفوعة بالاحتقانات التي تركتها أحداث صيدا الاسبوع الماضي، بدا لافتاً في الساعات الاخيرة رهان بعض المراجع الرسمية والقوى السياسية على إعادة حصر الأزمة في إطار الصراع السياسي الذي يتخذ طابعاً دستورياً كعامل احتواء ولو نسبي للاحتقانات المتصاعدة.
وأكدت مصادر واسعة الاطلاع لـ”الراي” الكويتية، ان “المشهد السياسي انقلب في الساعات الـ 48 الاخيرة التي أعقبت ما سمي بـ”يوم الغضب” في الشارع الصيداوي والطرابلسي، خصوصاً على خلفية احداث صيدا بين الجيش اللبناني ومجموعة الشيخ احمد الاسير الى مقلب سياسي عبر المشكلة التي نشأت عن موضوع معارضة انعقاد جلسة مجلس النواب المقررة اليوم لخلافٍ على ظروفها الدستورية وجدول أعمالها في ظل حكومة تصريف الاعمال”.
ومع ان هذا الجدول كان جرى الاتفاق عليه في اجتماع عقدته هيئة مكتب مجلس النواب ولم يثر اعتراضات في حينه، فان المشكلة التي برزت عقب تصاعد الغليان في بعض المناطق بدا انعكاسا واضحاً لمناخٍ آخذ في التصاعد، بدليل ان بعض نواب قوى “14 اذار” اعترف بان خطأ حصل في عدم التنبه لمسألة لا دستورية التشريع الكامل لدى وضع جدول الاعمال للجلسة التي تبدو مهددة بالانفراط اليوم، في ظل عدم توافر النصاب القانوني لها باعتبار ان نواب “14 اذار” وتكتل العماد ميشال عون ونواباً مستقلين آخرين يتجهون الى مقاطعتها.
وتضيف المصادر ان “المشاورات دارت امس، حول مخرج لا يبدو معه رئيس مجلس النواب نبيه بري متراجِعاً عن قراره المضي في عقد الجلسة ولا القوى الرافضة او المتحفظة عن الجلسة متراجِعة عن اشتراطها حصر جدول الاعمال ببند التمديد لقائد الجيش وإصدار مرسوم بفتح دورة استثنائية لمجلس النواب. ذلك ان المشكلة افرزت ثلاثة اتجاهات داخل الكتل ولو انها برزت كحالة اشتباك دستورية على الصلاحيات بين رئاستيْ مجلس النواب والحكومة المستقيلة بفعل السجال العلني بين الرئيسين بري ونجيب ميقاتي”.
فقوى “8 اذار” تؤازر بري في موقفه القائل ان انعقاد الجلسات والتشريع الكامل مغطى دستورياً بالنصوص وبالسوابق النيابية والحكومية في ظل حكومة تصريف اعمال، وهو ما يسانده فيه النائب وليد جنبلاط. وقوى “14 اذار” مع ميقاتي تدفع في اتجاه تقنين التشريع وضبْطه على الامور الملحة فقط مثل التمديد لقائد الجيش والتشدد في ضرورة إصدار مرسوم لفتح دورة استثنائية لمجلس النواب قبل الاتفاق على جدول أعمال للجلسة. أما العماد عون فيحصر موقفه الاساسي برفض التمديد لقائد الجيش. ورغم هذه الصورة المتجددة للانقسامات النيابية، فان المصادر تعتقد ان “باب التوصل الى تسوية لم يوصد وان امكانات اجتراح مخرج على غرار المخرج للتمديد لمجلس النواب لا تزال ممكنة ولو انها اضحت اكثر صعوبة بعد أحداث صيدا، ذلك ان السجالات القائمة حول المأزق الدستوري بدأت تحرف الانظار عن تداعيات معارك عبرا، ومن غير المستبعد في حال تأجيل الجلسة النيابية بعض الوقت سعياً الى مخرج ان تشكل الاتصالات السياسية فرصة لمزيد من تبريد الاحتقانات على الارض ودفع الامور الى مسار سياسي ولو شديد التأزم”.
لكن ما لا تُسقطه المصادر من حساباتها ومخاوفها هو “امكان حصول مفاجآت امنية جديدة في اي لحظة نظراً الى طبيعة المرحلة الخطرة التي ترخي بظلالها على لبنان وهو امر يمكن ان يطيح بأي جهود سياسية لإبقاء الازمة في اطارها السياسي”، وتبعاً لذلك، اشارت المصادر الى ان “المشاورات التي جرت امس، بدت محكومة بهذا الهاجس بدليل ان جسور التواصل لم تنقطع بين بري ومعارضي انعقاد الجلسة سعياً الى مخرج قبل موعدها المقرر قبل ظهر اليوم”.
واشارت الى “احتمال ان يضطلع رئيس الجمهورية ميشال سليمان (كان وقّع مرسوم الدعوة لدورة استثنائية ورفض ميقاتي توقيعه) وكذلك النائب جنبلاط بدور اساسي في الدفع نحو مخرج يحول دون تطويل هذا المأزق الجديد باعتبار ان مخرجاً كهذا سيساعد في تهدئة الاوضاع ويتزامن مع الخطوات الجارية في صيدا لاعادة تطبيع الحياة العامة والتخفيف من وطأة الاحتقانات من خلال الافراج عن أعداد من الموقوفين والشروع في مساعدة الاهالي المتضررين على اعادة اعمار او ترميم ممتلكاتهم.