#adsense

مصر تعيد تأسيس نفسها في ظلّ انقسام أهلي حاد

حجم الخط

 

هو يوم مجيد في حياة أمّة، هذا الذي رأيناه بالأمس في مدينة القاهرة. بهذا يمكن أن يقاس “المجد” وتنسب له الأيّام، وليس أبداً بالمقاسات الزقاقية للفتنة المذهبية عندنا.

في مصر بالأمس، كان الربيع، المصريّ أولاً، يولد من جديد، ويهزأ من كل “إسلاموفوبيا” افترت على الربيع العربي، ومن كل “أخونة” حاولت اعتقاله، كما يسخر من كل تبسيط يبتذل قراءة الحدث، علماً أنّ للتبسيط والابتذال أكثر من مصدر:

في المقام الأوّل، نحن حيال تجربة حيّة لوضع ثوري جماهيري، متمحور حول ميدان بعينه، ومتواصل بأيامه الهادرة المشهودة على امتداد سنتين ونصف.

وهذا، شيء يكاد يصبح غير مسبوق في تاريخ العالم. وأقل ما يمكن القول عند تتبع حدث متواصل على دفعات كهذا، هو عدم كفاية كل أدوات التحليل التي وجدت قبله.

وفي المقام الثاني، نحن أمام انقسام أهليّ حاد، لم يسبق أيضاً أن وصل الى هذا المستوى في تاريخ مصر المعاصرة، انقسام حاد، وهو انقسام يقارن بنظرائه في المجتمعات الأخرى (تونس، تركيا)، مع اختلافه.

هو انقسام بين من يهدّد، من جهة أولى، باللجوء الى العنف الأهلي للدفاع عن الشرعية كما يقول، غير متسائل عما يبقى من هذه الشرعية عندما يصير الدفاع عنها فئوياً ومحموماً الى هذه الدرجة، وبين من لا يرضى الا بتنحية محمد مرسي، على اعتبار أنّ الحجم الجماهيري المطالب بتنحية حسني مبارك لم يكن أكبر، وأن مثل هذا الحجم يسقط كل أهلية للرئيس الحالي لجهة النطق باسم الثورة، ويشل تماماً كل شرعية له، ولا مهرب من الاستقالة.

بيد أن المشكلة تبدأ هنا من استمرار المكابرة على حدّة الانقسام والطابع الجماهيري لطرفيه، هذا في حين يرى المشاهد بأم العين حشود “التمرّد” الوطني المدني السلمي على مرسي من ناحية، وحشود “الدفاع” الإخواني عن مرسي من ناحية ثانية.
هذا الانقسام لا يمكنه أن يبيح لأحد أن يفرض أجندته بالكامل على الطرف الآخر.
إلا أنه انقسام لا يمكن معه أن يستمرّ مرسي طويلاً، خصوصاً وأنّ حجم الغضب عليه، بل دائرة الرفض لاستمراره في السلطة تتزايد على ما يظهر.

لكن في الوقت نفسه لا ينفع الخطاب المكابر على تجذّر التيار الإسلامي بأطيافه كافة في المجتمع المصري، وهو أمر لا يبدو أن قوى المعارضة “المدنية” تطرحه بشفافية، وبرغبة، لتوجيه هذه اللحظة الملتهبة من الثورة باتجاه الدمج بين هدفين: تنحية مرسي من ناحية، وتصحيح المسار التأسيسي في مصر بعد الثورة، باتجاه شكل مؤتمري، ثوري، يعيد إنتاج عقد اجتماعي سياسي بين جميع المصريين، هو العقد الذي على أساسه تحصل انتخابات.

فالانتخابات لا يمكنها بحدّ ذاتها أن تولّد مثل هذا العقد، وهي إن أجريت في ظلّ غيابه نعود فنقع في المشكلة الحالية: مشكلة أن الموجود في السلطة التنفيذية سيجد نفسه في حيرة بين أمرين، انعدام الفاعلية أو التورّط في الحكم التسلّطي. وهذا يذكرنا ببعد نغفله عند مقاربة الأنظمة المومياقراطية ما قبل الربيع: فهذه ما كان رأسها ديكتاتوراً بالمعنى الجديّ للكلمة، لأنه لم تكن سلطته منشأها القدرة على اتخاذ القرارات، وإنما القدرة على عدم اتخاذ أي قرار سياديّ، والاستمرار هكذا عقداً وراء عقد، متربعاً على نظام أمني، ثم محاولة اقتفاء أثر حافظ الأسد، الذي كان بخلاف هؤلاء ديكتاتوراً فعلياً، والبحث عن سبل للتوريث.

كان ذلك شاهداً على ضمور العقد الاجتماعي المتعارف عليه في اليوم التالي لرحيل المستعمر. اليوم نحن أمام تحدي إعادة تأسيس مصر: إبرام عقد اجتماعي جديد، وقد يحتاج هذا لسنوات. فرنسا احتاجت للقرن التاسع عشر كاملاً!

يبقى مقام ثالث، يهمّنا كلبنانيين وسوريين، هو الربط بين الحدث المصري ومسار الثورة والحرب في سوريا: فقوى الممانعة تسعد بالثورة على محمد مرسي كما لو أنّه يمكنها أن تجني من هذا شيئاً، غير تطوير معدّل بلاهة أقلامها ومنابرها. أما محمد مرسي فيباهي بموقفه الذي قطع العلاقات الديبلوماسية مع نظام “البعث”، وهذا يشكر عليه.

في الواقع، ما ينبغي أن يصير واضحاً، سواء للمصريين والسوريين واللبنانيين، أن دولة بحجم مصر يفترض ألا يكون السؤال والإشكال مقتصرين على موقفها من الوضع السوري، بل عن دورها، وأكثر من ذلك، عن نفوذها. على مصر أن تستعيد نفوذها الإقليمي، وبالذات في لحظة مليئة بالتناقضات في الوضع السوري كهذه، ذلك أن مكان مصر الإقليمي لا يلغيه أحد.

وسام سعادة

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل