ما حصل في عبرا ينبئ بأنّ “حزب الله” لا يحتكم الى الكلمة السواء، وبأنه سيردّ على أي حكومة محايدة، بطريقة عنيفة، على قاعدة أنّ ما بعد القُصير وعبرا ليس كما قبلهما.
لدى سؤال الرئيس سلام عن وجود مهلة زمنية لتشكيل حكومته، قال لـ”الجمهورية”: “أنا مع التأليف في أسرع وقت، لكن لا أحد يحكم نفسه بمهلة. انتظر أسلوباً جديداً من التعاطي مع هذه القضية وخياراتي مفتوحة على كل الاحتمالات، وليس هناك من شيء نهائي بعد”.
يعكس كلام سلام عمق الصعوبات التي تواجه التأليف، بعدما حصل في عبرا، واستمرار تصلّب “حزب الله” وحلفائه في رفض حكومة الثلاثة أثلاث. كما يعكس الكثير من الخشية من أن يؤدي تأليف حكومة حيادية الى تحويلها حكومةَ مواجهة، وهو ما لا يريده سلام ولا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
بدوره، أصبح رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط خارج مناخ الحكومة الحيادية. فزيارة الوزير وائل أبو فاعور إلى السعودية لم تُقنع الرئيس سعد الحريري ولا السعودية بحكومة الوزير الملك. طرَح جنبلاط حكومة “تقطيع المرحلة” لكنه لم يلقَ تجاوباً، فعاد التأليف الى المربّع الاول.
جنبلاط خائف مما يمكن أن يقدم عليه “حزب الله”، ولا يريد المجازفة. بات يرى أنّ الحزب انتصر في القُصير، ولن يتراجع في لبنان. قراءته للواقع العربي والدولي غير مشجعة. السعودية في رأيه ليست مستعدة للمواجهة، قطر تغيّرت، القيادة التركية مأزومة، إيران وروسيا تمتلكان المبادرة في سوريا، و”حزب الله” بات أقوى بعد القُصير وعبرا، وهو لن يسكت عن تأليف حكومة حيادية، بل سيعتبرها حكومة “14 آذار” مجتمعة (مع الرئيسين سليمان وسلام).
لذلك، قرّر جنبلاط أن “يتلطّى”، ويتجنب المشاكل مع الحزب. قبل عبرا بأربعة أيام أصدر تعليمات صارمة إلى كوادر الحزب التقدمي الاشتراكي، بوجوب أن يكونوا على الحياد في حال حصول أي مواجهة. كان يعرف جنبلاط على الأرجح، أن قراراً بحسم ظاهرة الشيخ أحمد الأسير قد اتُخذ. المناطق الدرزية تم تحييدها بالاتفاق مع الحزب، واتُفق أن يكون الطريق الساحلي ممراً للجميع، من دون استفزازات ولا إشكالات.
حسبها جنبلاط على طريقته الواقعية في السياسة: هؤلاء (حزب الله) ذاهبون في معركتهم إلى النهاية في سوريا، وفي لبنان لن يترددوا في مواجهة أي حكومة حيادية في الشارع. في المقابل، لا حماية دولية أو عربية لحكومة مماثلة، فهل نسير إلى مواجهة مع “حزب الله” مرة أخرى، معروفة نتائجها سلفاً؟
أمام هذا الواقع، هل سيقدّم سلام تشكيلة حكومية في الأيام المقبلة، أم أنه سيتّجه إلى الاعتذار؟ ليعود بعدها خيار تعويم رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي أو تسمية شخصية أخرى لتدخل في النفق ذاته؟ يستذكر البعض اعتذار الرئيس سعد الحريري وإعادة تكليفه، ولكنّ هذا السيناريو غير مرجح الآن، لأنّ سلام الذي وضَع معايير تشكيل الحكومة منذ اليوم الأول، لم ولن يتراجع عنها، وهذه المعايير لن يقبلها “حزب الله” المنتصر في القُصير وعبرا، وبالتالي هل سيتحوّل التكليف إلى مراوحة في الوقت تستنزف الرئيس المكلف ومهمّته التي حظيت بإجماع مفخّخ؟