Site icon Lebanese Forces Official Website

عودة الروح

 

لم يخطئ مَن افترض من البداية حتى النهاية، أنّ الربيع العربي هو صدى للعصر وآلياته وطرقه وتقنياته و”روحه” المؤطرة في مُعطى الحرية بكل أبعادها، أكثر ممّا هو ثورة على أنظمة حكم استبدّت وقمعت واحتكرت وأخذت في طريقها كل شيء بما فيه أدوار التجار وأصحاب المال والوسطاء الماليين!

ولم يخطئ مَن افترض من البداية حتى النهاية، أنّ ذلك الحراك الشعبي العام يحمل في ذاته مقوّمات المناعة ضدّ أي محاولة لاستبدال آلية قمع بأخرى، أو طبقة حزبية مؤطرة ومستعدة لفرض برنامجها، بأخرى أخذت وقتها وأحكمت سلطتها وظنّت أنّ التاريخ انتهى عندها وعند إرادتها.

لم يحصل في مصر، وإلى حد ما في تونس، منذ سنة إلى الآن، ما هو استثنائي في الحالات الانتقالية المماثلة. لا بالنسبة إلى البدائل التي حكمت ولا بالنسبة إلى الشارع الذي كان ولا يزال أساس ذلك التغيير. صحيح أنّه جرت في الدولتين انتخابات تشريعية عامّة، وصحيح أنّ الجميع خضع لتلك الآلية ولنتائجها، ولكن الصحيح أكثر هو أنّ شبهة الاستئثار والفرض برزت من طيّات البرامج السياسية لـ”الاخوان” في مصر و”النهضة” في تونس. وذلك في الكلام الأخير، “أمر طبيعي” ومألوف: مَن فاز في الانتخابات ينفّذ أجندته السياسية. لكن الطبيعي أيضاً في الحالة المصرية تحديداً، كان تحوّط الشارع واستنفاره وإطلاق مجسّات الخطر عنده إلى مداها تحسباً لما هو أكبر وأخطر من مجرّد انصياع لقوانين اللعبة الديموقراطية وبرامج اللاعبين فيها.

بمعنى أوضح: ليس من الطبيعي أبداً، في بلدين شديدَي الانفتاح أصلاً مثل مصر وتونس، أن يفرض، أو يحاول، الفائز في الانتخابات فرض سياقه الفكري الخاص على العموم. الانتخابات تحدّد الهوية السياسية للحكم لكنها لا تعطيه أي حق في تغيير الهوية الثقافية والعاداتية للناس… ولا تعطيه اختزال “الحق العام” وأخذه معه إلى بيته الحزبي أو الفئوي خصوصاً وأنّ الثورة في مصر لم تكن صنيعة “الاخوان” لا من قريب ولا من بعيد، مثلما أنّ التغيير في تونس لم يكن صنيعة “النهضة” لا من قريب ولا من بعيد.

… في البلدين، وفي مصر أكثر من تونس، لم يتخلص الناس من نظام حكم كان فاسداً وإن لم يكن ديكتاتورياً، من أجل استبداله بمشروع نظام ديكتاتوري وإن تلحّف رداء الطهارة. البدايات السريعة لتوجّه الرئيس محمد مرسي نحو قوننة ودسترة سيطرة “جماعته” على مفاصل الدولة الأعمق والأكثر تجذّراً في المشرق العربي، استدعت وتستدعي كل ذلك الاستنفار الشعبي غير المسبوق في وجهه ودفعت حتى بالمؤسسة العسكرية إلى تلقف وتر العامّة والعزف على أنغامه.

فرادة ما يجري في مصر تكمن في إعادة الألق إلى المعنى العميق والأخير للربيع العربي بما هو تظهير للوعي التام والمشعّ لمُعطى الحرية الفردية والعامة، والاستعداد المباشر والحيوي لمواجهة احتمالات المسّ بها وبقدسيتها… بحيث إنّ ما يحصل في هذه الأيام، كان سيحصل مثله وأكثر في وجه أي نظام أو حكم فعل ما فعلته جماعة “الاخوان”.. فكيف الحال وهي التي فعلت؟!

Exit mobile version