كتبت صحيفة “الأخبار”:
الأزمة المستجدة بين رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون والثنائية الشيعية ليست مع طرفها الأمليّ بشكل رئيسيّ هذه المرة، بل مع حزب الله. يُعدّ عون خصومه قبل جمهوره لابتعاده خطوة عن الحزب بحيث يمكن يده أن تطال الأيادي الممتدة من الضفة السياسية الأخرى، من دون أن يغادر الضفة السياسية التي يقف عليها منذ عام 2006
تقبع قوى 14 آذار منذ سقوط مدينة القصير من جغرافيتها السياسية في زاوية ضيقة. في سعيها للوقوف شعبياً على قدميها، تشبّه يومَ سد الجيش اللبناني أحد أوكار الفتنة السنية – الشيعية بيوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تريد من المواطنين أن يهبّوا ثائرين حين يقتل حزب الله عن طريق الخطأ سامر حنا (ولا يبرر للقاتل ويسلمه إلى القضاء) وتقفل أفواهها حين يقتل المقربون من تيار المستقبل نحو مئة سامر حنا. وبدل البحث عن ممر آمن يخرجها وأنصارها سالمين من معركتها الدونكيشوتية مع النظام السوري وحزب الله، تفتح النار على الشعب والجيش أيضاً. أمر قوى 14 آذار غريب، لكن وضع القوى المناوئة لها وتصرفاتهم أغرب بكثير.
فجأة ضاق العونيون بمسالمة حزب الله السياسية وانفجروا. نظرة العماد ميشال عون إلى حزب الله، يقول أحد نواب العونيين، تغيّرت: لم يعد الفارق بين حزب الله وحركة أمل، كما دأب بعض النواب العونيين على القول، كبيراً. ليس الحزب القوة المحلية التي يمكن العونيين التعويل عليها لتحقيق بعض مما يصبون إلى تحقيقه من تغيير وإصلاح وغيرهما. همّ الحزب الإقليمي أكبر، وبكثير، من هموم العونيين الأهلية والمحلية. وتطول القائمة قبل أن يعرج العونيون على الأهم: رغم هذا، لن يقطع التيار الوطني الحر علاقته بحزب الله، ولن يذهب عون ـــ بالمعنى السياسيّ ـــ إلى السعودية.
بدأت الأزمة جدياً إثر «تأجيل الرئيس نبيه بري، بالتضامن والتكافل مع الحزب، دعوة الهيئة العامة للمجلس النيابي لبحث اقتراح القانون الأرثوذكسي». ونضجت إثر استقالة الرئيس نجيب ميقاتي وتكليف النائب وليد جنبلاط والرئيس نبيه بري بسحر ساحر الرئيس تمام سلام تشكيل حكومة جديدة. واشتدت إثر تمسك حزب الله بمشروع الرئيس نبيه بري للتمديد للمجلس النيابي، خلافاً للرغبات العونية. ولم يلبث بعض العونيين أن اعتبروا ترحيب حزب الله بمقاطعة أعضاء المجلس الدستوري لاجتماعاته موجهاً ضدهم شخصياً، قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها غداة هرولة حزب الله وحركة أمل للتمديد لقائد الجيش جان قهوجي. وأتت الخطوة الأخيرة لتطيح المعنويات العونية المرتفعة غداة معركة عبرا، لاعتقاد الجنرال أن مآخذ حلفائه المحتملة على مرشحه لقيادة الجيش سقطت.
تنحصر مآخذ عون على حزب الله أولاً وحركة أمل أخيراً، يقول أحد المطلعين، بإدارة الملفات اليومية: التمديد للمجلس النيابي، تطيير نصاب المجلس الدستوري، إبقاء موازين القوى الأمنية على حالها رغم تقاعد اللواء أشرف ريفي من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، إبقاء ما يسميه العونيون «الغبن المسيحيّ» على حاله في شتى الإدارات بحجة مراعاة الطائفة السنية، وأخيراً التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي… ويمكن، بحسب أحد النواب العونيين، تصنيف المآخذ المعلنة وغير المعلنة تحت عنوانين رئيسيين: الأول، تكريس الاعتقاد العوني أن القيادات الشيعية شريكة في المسؤولية عن «الغبن اللاحق بالطائفة المسيحية» بعدما كان الخطاب العوني يحصر المسؤولية بالقيادات السنية والدرزية، وفي بعض الدهاليز العونية من يقول صراحة إن عقبة بري أمام أي إصلاح إداري أو تغيير أكبر وبكثير من عقبات المستقبل. والثاني، عدم ترتيب قوى 8 آذار أوراقها السياسية للذهاب بقوة إلى طاولة المفاوضات حين يحين وقتها.
الخلاف تفصيلي وليس استراتيجي: لا تشكيك عونياً ـــ حتى الآن ـــ في خطر الفكر التكفيري على أقليات المنطقة واستحالة التعايش مع التكفيريين. لا تزعزع للإيمان العوني بأهمية سلاح حزب الله، ولا بحث ـــ حتى الآن ـــ في صوابية الخيار الذي انتهجته القيادة السورية لضرب المشروع الإخوانيّ ـــ السلفي الذي كان يتربص بالمنطقة كلها.
تكمن المشكلة في تصريف هذه الرؤية الاستراتيجية محلياً. فريق حزب الله وحركة أمل يفترض أن من يربح في سوريا آجلاً أو عاجلاً سيربح محلياً. والفريق الآخر ممثلاً بالتيار الوطني الحر يفترض أن إسقاط حليفه خارطة الشرق الأوسط الجديد غداة فوزه بحرب تموز عام 2006 لم يمكّنه من ربح أي شيء. وتتوقف وجهة النظر العونية هذه عند تأكيد مختلف المعنيين بالأزمة السورية أنها ستنتهي بتسوية، يفترض بقوى 8 آذار والتيار الوطني الحر أن يحسّنوا مواقعهم في الشطرنج المحلي لتحسين موقعهم فيها (التسوية). ويشير أحد المطلعين العونيين في هذا السياق إلى خلوّ يدي قوى 8 آذار والتيار الوطني الحر من أي مكتسبات غير سلاح حزب الله يمكنهم مفاوضة خصمهم بشأنها مستقبلاً: لا رئاسة الحكومة معهم (كما كانت الحال قبل عامين) ولا أمين عام مجلس الوزراء ولا ثلث مجلس الوزراء (كما كانت الحال قبل 6 أشهر) ولا قانون الانتخاب ولا أكثرية المجلس النيابي (كما كانت الحال مع وليد جنبلاط قبل عامين) ولا رئيس الجمهورية (الذي كان يحرص على مراعاتهم في الشكل أقله قبل عامين) ولا قائد الجيش (الذي يعرف أن انتقاله من اليرزة إلى بعبدا رهن موافقة المستقبل أيضاً) ولا قيادة قوى الأمن الداخلي وآمري المخافر ولا غالبية المديرين العامين. وعبثاً تتخيل القيادة العونية بالتالي ما يعوّل حلفاؤها عليه لقلب الطاولة محلياً انسجاماً مع التطورات السورية التي تسير دون أدنى شك عونيّ لمصلحتهم. وينتهي الشرح العونيّ المسهب في ما يخص طريقة عمل ائتلافهم بالإشارة إلى تفهم هروب حزب الله استثنائياً من بعض المواجهات بحجة وجود أولويات، أما أن يصبح الهروب هو القاعدة والمواجهة السياسية استثناءً فتلك هي المشكلة.
توتر علاقة ركني تفاهم مار مخايل يرخي بثقله على النقاشات الشعبية العونية، بعيداً عن الرابية. فالتجربة التي لقيت بعض التململ في الأوساط العونية غداة إبصارها النور في 6 شباط 2006، لا تجد ناقدين ـــ ولو موضوعيين ـــ لها في الأوساط العونية، حتى في أوساط الوافدين إلى التيار الوطنيّ الحر من حزب الكتائب والتنظيم وحراس الأرز. وما يستصعب عون تفهمه وتبريره لحزب الله، يتفهمه جمهوره ويبرره، آخذاً في الاعتبار (أكثر من عون أحياناً) أهمية المعركة السورية الوجودية بالنسبة إلى الحزب. والأكيد أن هذا الجو العونيّ العام يؤثر على العماد عون ويأخذه بعين الاعتبار، خلافاً لما يعتقده كثيرون، قبيل الإقدام على أيّ خطوة سياسية.
أما على مستوى نقاشات المسؤولين في التيار الوطني الحر، بعيداً عن الرابية دائماً، فثمة انقسام حاد بين القائلين بأن المشروع السياسي الذي دخله عون عام 2006 يقف على أعتاب انتصار إقليمي ضخم يفترض أن يشجع عون على تقدم صفوفه الأمامية، والقائلين بأن مغادرة عون يمين حزب الله يتيح له، في حال عرف كيف يحافظ على ثقة حلفائه به، أن يسقط الفيتو السعوديّ ـــ الأميركي على كل المكتسبات المتعلقة به
وتياره.
ويشير أصحاب وجهة النظر الأخيرة هذه إلى أن انفتاح عون على السعودية أو غيرها لا يفترض أن يخسره شيئاً إن كان حلفاؤه يثقون فعلياً بخياره الاستراتيجي المعلن، لكنه يربحه حرج من ينفتح عليهم سواء في رفع فيتو على كل ما يطرحه أو في تمويل حملات خصومه الانتخابية كما حصل في الدورتين الانتخابيتين الماضيتين.
الأكيد ختاماً أن عون كان يودّ حين غادر المؤتمر الصحافي في كنيسة مار مخايل في الشياح قبل ثماني سنوات أن يرده اتصال أو اثنان يهنّئانه على خطوته ويضعانه في الموقع الصحيح الذي يتطلع إلى أدائه كصمام أمان و«حكم».
إلا أن هجوم المحور السعودي على خطوته ورشقه بعنف بالحجارة، دفعا عون إلى إدارة ظهره لقوى 14 آذار، رغم مسيرتهما الصغيرة المشتركة وتقاطعهما في الكثير من الملفات، وإلى المزايدة على حزب الله في مواقف سياسية تعني جمهوره وأخرى لا تعنيه.