حظي “الإخوان المسلمون” بفرصة حكم مصر بعد الفوز في الانتخابات قبل سنة.
ولكن عوض حكم جميع المصريين وحمايتهم بحسب ما تمليه المسؤولية المدنية والواجب الوطني، أحدث “الإخوان المسلمون” انقساماً واستقطاباً، وأثبتوا بما لا يرقى إليه الشك أن الإسلام السياسي – كما الإسلام القتالي – لن يكون جامعاً على الإطلاق. ونتيجةً لذلك، لن يُقبَل إطلاقاً في المنظومة السائدة من دون تقديم تنازلات كبيرة والخضوع لتحوّلات عدّة. فضلاً عن ذلك، أهدر الرئيس مرسي زخم الثورة وترك المشكلات تتفاقم فيما يتظاهر بأن الوضع وردي، ويعجز عن الإقرار بنقاط الضعف أو العثرات في رئاسته.
وفي حين كانت مصر تغرق أكثر فأكثر اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، لم يُبدِ مرسي و”الإخوان” أي تعاطف مع الجماهير التي تعاني. فعوض توحيد البلاد وإيجاد حلول للمشكلات والتحدّيات الملحّة، أداروا ظهرهم للمعارضة وصبّوا جهودهم على مضايقة الناشطين والمدوّنين والفنانين والصحافيين ومطاردتهم وزجّهم في السجون لارتكابهم “جريمة” الاختلاف معهم في الرأي أو انتقادهم.
الإسلام السياسي أصولي وإقصائي بطبيعته، فهو يستمدّ قوته واستمراريته من العداء والاضطهاد. ويتغذّى من تمثيل دور الضحية، ويستقطب بعض الجماهير من حوله، ويتحكّم فيها، ويوجّهها بالطريقة التي تناسبه: فإما يرسلها إلى الشارع عند الحاجة وإما يوجّههم نحو صناديق الاقتراع. تكفي إشارة واحدة لتحريك الجماهير المسيَّرة. ويمكن أن يكون عددها كبيراً أو صغيراً بحسب ما يقتضيه الحدث. كما يمكن التلاعب بها ودفعهما الى العنف أو على العكس الأسلوب المسالم، وذلك تبعاً للحاجة التي ترتئيها القيادة. ليست مشكلة “الإخوان المسلمين” في مصر في الأعداد التي يستطيعون حشدها عند الطلب؛ بل في عجزهم عن “الحكم” بإنصاف، فقد تبيّن خلال العام المنصرم أنهم لا يستطيعون أن يمثّلوا سوى الأشخاص الذين ينتفعون منهم.
في هذا المنعطف التاريخي بالنسبة إلى مصر، لا بد من التوقف عند النقاط الآتية:
لم يكن لجماعة “الإخوان المسلمين” دور مهم في الثورة المصرية عام 2011 وما أعقبها من سقوط حسني مبارك.
أعلن “الإخوان المسلمون” في البداية أنهم لن يسعوا خلف التمثيل السياسي ولن يترشّحوا للانتخابات.
ترشّح محمد مرسي للمنصب الأرفع في البلاد متعهّداً الإصغاء إلى الشعب والسماح له بالتعبير عن آرائه، ومنحه دستوراً ومجلس نواب يمثّلانه ويحميانه. حتى إنه صرّح في إحدى المقابلات التلفزيونية، مستشعراً ربما ما سيحدث: “لن يبقى أي رئيس مصري في منصبه إذا لم يرضَ عنه الشعب”، ودعا المصريين إلى التظاهر ضده إذا لم يحترم الدستور والقانون.
لقد حصل مرسي على فرصته للقيادة. انتُخِب ديموقراطياً وحظي بسنة كاملة في الرئاسة ليثبت ما اذا كان سيفي بوعوده أم لا.
والآن يطالب ملايين المصريين بتنحّيه، مما يعني أنهم غير راضين عن أدائه ويرفضونه رئيساً لهم. وقد عملوا بنصيحة مرسي نفسه، ونزلوا إلى الشارع للتعبير عن استيائهم منه. أياً تكن نسبة السكان أو الناخبين الذين يمثّلهم هؤلاء، إنهم مصريون، وهم مستاؤون منه، ويتظاهرون كما نصحهم مرسي بأن يفعلوا.
وفقاً لمنطق مرسي نفسه، لا يمكنه البقاء! يجب أن يرحل كما توقّع هو بنفسه!