|
|
||||||
أقرن رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون في مقابلته التلفزيونية ليل الأحد، الشكّ باليقين، بعد الأخبار التي تناولت مؤخرا اهتزاز ورقة التفاهم التي جمعته منذ العام 2006 بحلفائه وتحديداً “حزب الله”، على أن خلافه الدائم مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ليس بجديد.. فمواقف جنرال الرابية كانت موجّهة الى اللبنانيين جميعهم من دون تمييز بين جمهوره ومن لا يؤيّدونه، والى السياسيين كلّهم من دون تفرقة بين حليف أو خصم..
خرج الجنرال عن طوره حين اتّضحت الصورة في عينيه: اللبنانيون لا يريدونه رئيساً لجمهوريتهم، تياره يتفكك من الداخل والاعتراضات ظاهرة وكذلك التباين والتصدّع بات يصيب أساسه، حلفاؤه يدّعون أنهم سيحققون له أمنياته التي لا يمكن إشباعها لكنّهم في كل مرة يخذلونه، لن تكون له الأولوية في تسمية قائد الجيش، وجدول أعمال جلسة مجلس النواب لا يرضي “خاطره”.. بحث الجنرال ومحّص، فوجد أن مسايرة الشعب أحياناً والسياسيين من حلفائه لم تأتِ بنتيجة فأعلن الحرب مستخدماً سلاحه الفتاك من العبارات الفاقعة، فقال: “أصهرتي” على صورتي ومثالي ولا أصاهر أياً كان، ولينظروا الى cv (السيرة الذاتية لـ) شامل روكز عند تعيين قائد للجيش، ومن يكون صهري (..)”، مشدداً على أنه “سيطعن بالتمديد إذا حصل”، وتابع “شو هالشعب الطز هيدا وشو هالسياسيين الطز هول؟”.
لقد كان يكفي على من يدافع عن حقوق المسيحيين أن يقرأ كلام يسوع المسيح في الإنجيل المقدّس ليدرك بأن “ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان بل ما يخرج من هذا الفم ينجّس الإنسان”. وكان يكفي لمن اختبر الحياة السياسية لأكثر من 20 عاماً أن يعلم أن السياسة في لبنان لا تقوم في نهاية المطاف إلا على الشرعية والديموقراطية مهما أمعن المنقلبون بتشارك مفاعيل ما اقترفته أيدي القمصان السود. فالجنرال يستند الى الدستور إذا كان ذلك في مصلحته وينقلب عليه إذا كان ذلك يصبّ لخير المصلحة العامة.
فعلى الرغم من أن عون وصف الجلسة، التي كان من المفترض أن تنعقد بالأمس، بأنها “شرعية لكننا سنقاطعها بسبب جدول أعمالها”، إلا أنه لم يحتمل أن أحداً لم يأخذ برأيه حين عرض، في الإعلام، تسمية صهره قائداً جديداً للجيش، متحدياً رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بأن له الأولوية في ذلك. وأما مقاطعة عون للجلسة فليست سوى رفض منه للتمديد لقائد الجيش ولأنه يريد تعيين صهره في هذا المنصب، وبمعنى آخر فإن عون لم يقاطع الجلسة حفاظاً على المبادئ الدستورية إنما كل ما يهمّه هو تأمين مصالح الصهر.. وإن كان عون، ودفاعاً عن صهريه، ألقى بغضبه على حلفائه قبل خصومه، وعلى كل الشعب اللبناني والسياسيين في لبنان، فهذا ليس سوى أول الغيث في إطار خلافه مع حلفائه، ليبرهن بالتالي أن مصلحته الشخصية ومصلحة أفراد عائلته في إيجاد “وظائف” في المراكز الأولى لهم في الدولة اللبنانية أهم من مصالح اللبنانيين وأهم من الدستور والقوانين. وإن كان صادقاً في ما قاله بأن “أصهرتي على صورتي ومثالي” فمن يكون مخلوقاً على صورة الله ومثاله في هذه الحال؟
ويعوّل عون في قوله بأن “مجلس النواب غير شرعي، ولكن يجب أن أبقى لأراقبه لأنهم سيسيرون بالأمر الواقع”، على المجلس الدستوري من خلال الطعون التي يقدّمها، وما تعطيل المجلس الدستوري سوى خطة مدبّرة من حلفائه لإرغامه على السير بالأمر الواقع، فكيف له أن يراقب “مجلس النواب غير الشرعي” إن كان القرار خارج عن طوعه، وإن كان السلاح غير الشرعي الذي كان يحميه عون في الداخل تخلّى عنه في أكثر اللحظات حرجاً..
لهذا لم يكن أمام الجنرال سوى كيل الشتائم من كل العيارات ولكل اللبنانيين شعباً وسياسيين، فهو لم يعد يرى الشعب ذاك “الشعب العظيم” الذي كان يتوجّه إليه، ولم يعد ينظر الى حلفائه المسلّحين على أنهم منقذوه أو أنهم سيرفعونه الى كرسي الرئاسة.. ويقول المثل “عندما لم يتمكن الثعلب من بلوغ العنقود، قال عنه إنه حصرم”، فهل أن جمهور الجنرال بالدرجة الأولى راضٍ عن رأي الجنرال الذي أفقده “عظمته”؟ وبماذا يصف الجنرال الشعب اللبناني والسياسيين في الخفاء وبعيداً عن الإعلام؟
إنها عصارة جهود الجنرال بعد دراسة دامت ربع قرن، تخللتها اختبارات حيّة وملاحظات بالعين المجرّدة.. ويتساءل “لا أعرف كم يستطيع حلفائي تحملي”، وهي عبارة تختصر خيبة أمله بحلفائه الذين حوّلوا أحلامه السعيدة الى نكسة ولجموا أطماعه في المراكز السياسية التي من أجلها تخلّى عون عن ثورة الأرز وراح يتهجّم على قياداتها ويتناول شهداءها بالسوء. لكنّه لا يستسلم، إنما يبقى متسلّحاً بالثقة بالنفس ليعلن أنها “ليست “عجيبة” أن يكون شخص بمفرده على حق والآخرون “غلط”..” سؤال هنا يطرح نفسه: هل يمكن للشخص الذي أخطأ في اختيار حلفائه منذ سبع سنوات أن يستمر في المديح بكونه على حق؟
وبعد كل هذه التغيّرات التي تطرأ من حول الجنرال، فهو ما زال متمسّكا بمشروع قانون “اللقاء الأرثوذكسي”، ويسعى الى مكافأة “الأصهرة” على حساب الدولة، ويضاعف من عدائه لرئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ويطالب لهما بـ”المحاكمة”.. بمن سيستقوي الجنرال يا تُرى بعد هذه الإنقلابات والتقلبات؟ وإن كان يجهل قدرة حلفائه على تحمّله، فإنه بلا شكّ كلّه “ثقة” بأن الشعب اللبناني ضاق ذرعاً بتنظيراته.
