ما لم يقله بيان قيادة القوات المسلحة المصرية هو أن “الربيع العربي”، بدءا بمصر، يحتاج إلى “حضانة” طرف يفهم معنى النظام وصون الدولة. فبعد أكثر من عامين على اندلاعه، تحديدا في تونس ومصر وليبيا، لا يزال التعثر يحكم مسيرة ولادة النظم البديلة. ففي الثلاث، أحزاب اسلامية تقدمت في صناديق الاقتراع، لأنها استفادت، إبان الديكتاتورية، من حرمة المساجد والجوامع، وحولتها إلى منتديات تنظيمية، وأطرت، تحت غطائها، شرائح اجتماعية واسعة، خلطت في ذهنها الدين والدنيا، ورأت في العودة إلى نهج الماضي السحيق، مخرجا من الأزمة، وفي الحداثة مدعاة للريبة. ولا يزال مشهد مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي الليبي وهو يعلن إباحة تعدد الزوجات، بالتلازم مع إعلان تحرير ليبيا، يثير التساؤل والسخرية، لكأن هذا الأمر كان أساس ثورة الليبيين على القذافي الذي منعه.
ما لم يقله البيان ايضا، أن إرادة التغيير لم تمت لدى المصريين، وأن ربيعها مستمر، وإن التغيير لم يستهدف ديكتاتورية بعينها، بل كل نسق منها ولو اتخذ حجابا جديدا، كـ”الأخونة”، وحاول إحياء حلم بائد اسمه الخلافة. فمطلب “الربيع العربي” ليس صندوق الاقتراع بذاته، بل بما يعنيه من تحقيق التقدم الذي تريده الجماهير، ويترجمه نهج الحاكم المنتخب.
ما لم يقله البيان ايضا، هو أن القوات المسلحة التي حرصت، منذ 25 يناير(كانون الثاني) 2011، على اداء دور الحامي الصامت لهيكل الدولة المصرية، مرغمة على التدخل إذا استشعرت خطرا يهدده، وإن ما يجري حاليا هو على هذا المستوى.
لكن ذلك يذكّر بدور مشابه لجيش آخر في المنطقة اداه منذ الحرب العالمية الثانية، وحتى وقت غير بعيد، هو التركي، الذي ظل حامي الدولة والنظام حتى تولي “حزب العدالة والتنمية” الحكم بقيادة رجب طيب أردوغان. وإذا كان بيان القوات المصرية أكد عدم نيتها الدخول طرفا في “السياسة أو الحكم”، فإن نظيره التركي كان حاضرا باستمرار لانقلاب عسكري يطيح الحكم المدني إذ يبدر منه خروج على ما زرعه القائد المؤسس مصطفى كمال أتاتورك.
ما يفترض أن يستفاد من 30 يونيو (حزيران) المصري هو أن على الحركات الاسلامية أن تقتنع باستحالة تفردها بالحكم، وأن المرحلة الانتقالية، هنا وهناك، تقتضي إشراك كل القوى الفاعلة، وأن ضمان تحقيق أهداف الثورة هو في استمرار الاستعداد لرفع الصوت، وممارسة العصيان المدني، سواء في وجه الإخوان واشباههم، أو العسكر نفسه إذا ما تراجع عن التزاماته في بيان أمس.
أمر يبدو صعبا في لبنان. أولا لأن من يشبه “الإخوان” يجد السلطة في سلاحه، وثانيا، لأن من يمكن أن يكون منقذا، يحتاج إلى برهنة حياديته بين أفرقاء الصراع السياسي، على الأقل، هذه الأيام.