فيما تركز الاهتمام على التحدي الهائل بالنسبة الى مصر وكل من المجتمعين الاقليمي والدولي مع نزول ملايين المصريين الى الشارع بطريقة غلب عليها الطابع السلمي ما خلا بعض الحوادث التي ذهب فيها عدد من القتلى علما ان الامور لم تنته الاحد 30 حزيران ومرشحة للمزيد من التداعيات والمخاوف من اعمال عنف قوية، فان الرسائل من مصر مع بداية الثورة الثانية بدت عابرة للعالم العربي والمجتمع الدولي في اتجاهات غير مسبوقة. فالتجربة المصرية لها خصوصيتها وكذلك اوضاع مصر الصعبة جدا اقتصاديا واجتماعيا وماليا والتي تؤثر جميعها على ورثة الثورة الاولى ايا يكن من في الحكم وليس الاخوان وحدهم من دون ان يغفل ذلك اخطاء هؤلاء والتي كانت كبيرة ومتفاقمة خلال سنة واحدة في الحكم نتيجة غياب برامج حكم واضحة ومتكاملة والفشل في اعداد مثل هذه البرامج حتى الان خلال العام الماضي. فمن جهة هناك القلق الكبير حول وجهة مصر في المدى القريب في تجدد ثورتها وما هي الخطوات التالية للمتظاهرين وهل يحل رحيل مرسي مشاكل مصر ام يفاقمها في حجم الانقسام الداخلي؟ ومن جهة اخرى هناك الحيوية والدينامية لدى الشعب المصري بغض النظر عن صواب ما يقوم به ام لا والتي اثارت اعجاب الشعوب العربية بالتزامن مع المخاوف من احتمال انزلاق التظاهرات المليونية او استدراجها الى حرب داخلية اهلية او الى ما يمكن ان يشبه سوريا في شكل من الاشكال من خلال اقحام الجيش ضد المتظاهرين.
وقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالاعجاب الشديد لهذا الحشد الهائل الذي قال خبراء انه الاكبر في تاريخ التظاهرات الشعبية في العالم اجمع ولم يشهد له مثيل في اي من “الثورات” والتي ترجمت تواقيع 22 مليون مصري على ضرورة رحيل الرئيس محمد مرسي. هذه الدينامية اثارت حماسة الشعب اللبناني لاستعادة ذكرى 14 آذار واعادة فرض روزنامة سياسية على المسؤولين الذين يكادون يطيحون بخلافاتهم امن لبنان ومستقبله. الا ان الرسائل الاهم يمكن رصدها في شكل اساسي في واقع ان يمثل شعب مصر توق الشعوب العربية الى ديموقراطية حقيقية وليس الى ديموقراطية مغلفة باسلام اخواني استحوذ على الثورة المصرية الاولى وفشل في تأمين ادارة حكم صحيحة بعد انهيار حكم حسني مبارك. وهذا ينعكس بطريقة او باخرى على كل جهود الاخوان المسلمين في كل من الاردن على رغم انحسار تحركهم واظهارهم ترو اكبر من السابق، وعلى الاخوان في سوريا وسائر الدول الاخرى. فهذا الفشل سيكون له تداعياته على الاخوان المسلمين ويفترض ان يحملهم على المزيد من التروي في انتظار الحصول على تجارب كافية في الحكم تحت طائل فقدانهم الثقة من الشعوب التي احتضنتهم. وان يحصل حكمهم على دعم خارجي اميركي او سواه لن يكون كافيا نظرا الى حتمية الموازنة بين الداخلي والخارجي على حد سواء.
والرئيس مرسي الاخواني الذي فاز بنسبة 51,7 في المئة فقط لم يأخذ في الاعتبار انه لا يتمتع بدعم مفتوح لن يكون كاملا لان ما يقارب نصف الشعب المصري ضد وصوله وهو لم يأبه في محاولة اخونة مؤسسات الدولة واستنساخ اسلوب سلفه للمعارضة المتعاظمة ضده. فالديموقراطية متى حصلت انتخابات تعني ان يمثل الرئيس المنتخب كل فئات الشعب وليس النصف الذي اعطاه صوته فحسب كما حصل مع مرسي. تسري هذه الرسالة على الرئيس السوري بشار الاسد الذي دمر بلاده واعادها عقودا الى الوراء منعا لمليونيات مماثلة تطالبه بالتغيير ووصل في احد اطلالاته الاعلامية الى الاعلان انه يتمتع بدعم 51 في المئة من الشعب السوري اي باكثرية هذا الشعب مبررا بذلك استمراره في السلطة غير آبه بان المعارضة له في حال صحت تقديراته توازي تقريبا المؤيدين له. لكن لو ان الرئيس السوري رحل في اي مرحلة فان المخاوف الغربية من وصول الاسلاميين في السلطة مبالغ فيها ويتم توظيفها لمصالح وغايات شتى ويفترض ان تنحسر في ضوء ما يجري في مصر بحيث تشكل هذه التطورات درسا لهذه الدول خصوصا ان سوريا مختلفة عن مصر ايضا من حيث تعدديتها الطائفية والاتنية. وكذا الحال بالنسبة الى الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني بنسبة 50,86 في المئة حيث يمكن ان يستخدم ما يقارب النصف ممن لم ينتخبه لاحقا من اجل تضييق هامشه السياسي الضيق اصلا.
وثمة من يدرج الرسائل في اتجاه الولايات المتحدة ايضا والتي كفل تعليق السفيرة الاميركية لدى مصر آن باترسون ايقاظ مواقف عدائية من المتظاهرين ضد بلادها وحتى مقتل احد الاميركيين واضطرار واشنطن الى اجلاء بعض طاقمها الديبلوماسي في ضوء توجيه الديبلوماسية الاميركية تعليقات تدعو المعارضين المصريين الى ان ينتظموا فينضموا الى حزب سياسي او يقيموا حزبا والدخول في النظام من اجل اجراء التحول في انتظار اجراء الانتخابات بدلا من الشارع. فالتدخل الاميركي كان في التوقيت الخاطئ واعاد الى الواجهة دعم واشنطن لحكم مرسي وتناسي المصريين الدور الاميركي لجهة دعم الثورة الاولى وطلب تنحي مبارك. كما ان هناك من يمكن ان يوظف الموقف الاميركي من الثورة المصرية الثانية وهي بالملايين وليست بالمئات او بالآلاف من اجل ابراز التناقض لجهة احترام اميركا الديموقراطيات والرأي العام.